ما المنتظر من القمة العربية بالمنامة 2024؟

سياسة
19
0

تستعد البحرين لأول مرة، سواء على مستوى القمم العربية العادية أو الطارئة، لاستضافة اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في دورته العادية الثالثة والثلاثين، والمقرر عقدها في 16 مايو 2024، وتتزايد آمال الشارع العربي في أن تأتي مخرجات القمة لتتواكب مع التطورات المفصلية التي تمر بها المنطقة العربية، لا سيما فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي على غزة منذ عملية طوفان الأقصي في السابع من أكتوبر 2023، وما تقوم به إسرائيل من عمليات إبادة جماعية للشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة، أدت إلى تدمير البنية الأساسية للقطاع، وسقوط ما يقرب من 100 ألف فلسطيني ما بين شهيد وجريح، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتمدده واندلاع حرب إقليمية شاملة بدت مؤشراتها في الضربات الإيرانية الإسرائيلية المتبادلة، وإن بدت تحت السيطرة، في ظل الحالة الرخوة التي تعيشها عدة دول عربية منها اليمن، ولبنان، والسودان، وليبيا، والصومال.

توقيت الانعقاد

يأتي انعقاد القمة العربية بالمنامة 2024، في ظل سياقات إقليمية ودولية ضاغطة على المنطقة العربية، أدت إلى تزايد التحديات المعقدة والمتداخلة معًا، وبما يتطلب ضرورة التوصل إلى قرارات بنّاءة تسهم فى تعزيز التضامن العربي، ودعم جهود إحلال السلام والأمن والاستقرار في المنطقة التى بدت على مشارف مرحلة جديدة من التغيرات والتحولات الفارقة في مسيرتها. لذلك يأتي الانعقاد ليتزامن مع العديد من تلك التحديات لعل أبرزها:

أولها.. التحديات الإقليمية وما ترتبط بسعى القوى الإقليمية غير العربية لتنفيذ مشاريعها داخل المنطقة العربية سواء ما يتعلق بالمشروع الإسرائيلي الذي يشكّل التصعيد في غزة أحد ملامحه بعد أن وصلت الحكومة الأشد يمينية في تاريخ إسرائيل إلى سُدة الحكم برئاسة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، وما تتبناه الحكومة من مشروعات تسعى للتوسع والضغط لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم كما يحدث في غزة، وزيادة الاستيطان كما يحدث في الضفة الغربية. أما المشروع الإيراني فيرتبط بالسعي لتحول إيران لقوة إقليمية، تتجلى في امتلاكها للعديد من الأذرع داخل المنطقة العربية مثل الحوثي في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، وهي الأذرع التي تحول دون الحفاظ على وحدة وتماسك الدولة في تلك المناطق، كما تجعل القرار الوطني رهنًا بتجاذبات الخارج.

ثانيها.. التحديات الدولية التي تتجسد فى دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثالث دون وجود أفق سياسي منظور للتسوية السلمية للصراع، وهو الصراع الذي يرتبط بالأساس بسعي روسيا والدول المساندة لها، لإحداث تحول في طبيعة النظام الدولي السائد والقائم على الأحادية القطبية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب يستوعب مصالح القوى الدولية الصاعدة وفي مقدمتها روسيا والصين. وهنا يثار التساؤل حول موقع النظام الإقليمي العربي في مستقبل الترتيبات الدولية المقبلة، وما إذا كانت الجامعة العربية، كإطار تنظيمي لذلك الإقليم بهويته وقيمه ومصالحه وحدوده، قادرة على حمايته ضد مصادر التهديدات الداخلية والخارجية أم أن ميثاقها ونظام التصويت بداخلها يحتاج لإعادة النظر حتى تتمكن الدول العربية من مواكبة التطورات المفصلية التي تحدث على مستوى تفاعلات النظام الدولي الجديد، الذي لا يزال قيد التشكيل وتصبح لهم مكانتهم التي تليق بمصادر القوة التي تمتلكها بلدانهم من موارد طبيعية وبشرية.

وثالثها.. التحديات الاقتصادية والاجتماعية، حيث تواجه المنطقة العربية العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية،ومنها تراجع نمو الاقتصادات العربية بمعدلات لا تلبي احتياجات التنمية وزيادة السكان وتوقعاتهم، بما يجعل المديونيات العامة المحلية والخارجية في وضع حرج، وهو ما كان له تداعياته المجتمعية المباشرة على تراجع دور الطبقة الوسطي في المنطقة العربية بسبب تأثرها بالأزمات الاقتصادية من ارتفاع للأسعار وتزايد للتضخم، وتراجع معدلات التشغيل، وهى الطبقة التي تشكل العمود الفقري للمجتمعات العربية باعتبارها حارسة القيم وبها المخزون الحضاري من مثقفين وأدباء وعلماء في مختلف التخصصات، لذلك فإن الحفاظ على تماسكها وحمايتها من التراجع باستهدافها اقتصاديًا على المستوى الداخلي بإجراءات داعمة، لا سيما أن منظمة العمل الدولية توقعت أن تظل معدلات البطالة في المنطة العربية مرتفعة عند حدود 9.8% خلال عام 2024. وعلى المستوى الاقتصادي العربي فإن الأمر يتطلب تعزيز التكامل الاقتصادي العربي لخلق فرص تشغيل تتناسب مع حجم تلك الطبقة، لا سيما أن الدول العربية خطت خطوات مهمة نحوه منذ انطلاق منطقة التجارة الحرة العربية التي تستهدف زيادة مستويات التجارة البينية السلعية وإزالة الحواجز الجمركية، وصولًا للاتحاد الجمركي العربي الذي سيستتبعه التفاوض للوصول إلى السوق العربية المشتركة كدرجة أعمق من درجات التكامل الاقتصادي العربي، وهو ما يتطلب أيضًا دعم جهود تنويع الهيكل الإنتاجي للدول العربية.

جامعة الدول العربية

ملفات محتملة

في ظل التحديات المعقدة التي تواجه المنطقة العربية سواء على مستوى تفاعلات الإقليم أو على مستوى تفاعلات النظام الدولي، فإن أجندة القمة من المحتمل أن تناقش العديد من القضايا والملفات المرتبطة بمواجهة تلك التحديات التى تؤثر على مستقبل تفاعلات النظام الإقليمي العربي داخليًا وخارجيًا. لذلك يمكن الإشارة إلى أبرز تلك الملفات في التالي:

(*) العدوان الإسرائيلي على غزة: تعد القضية الفلسطينية بندًا رئيسيًا على جدول أعمال القمم العربية، وهو ما أكده الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط في تصريحات له في 21 أبريل 2024 من أن القضية الفلسطينية مطروحة على كل اجتماعات الجامعة العربية، وأنه تتم مناقشتها من قِبل العديد من الدول العربية، وقد عبّر عن تلك الأهمية أيضًا السفير حسام زكى، الأمين العام المساعد للجامعة العربية، عندما أشار إلى أن الاجتماع المقبل لمجلس الجامعة سيتطرق إلى تداعيات استمرار الحرب في غزة، كما سيتم خلاله الاستماع إلى إحاطة معمقة من المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز. وبالتالي فإن ملف العدوان الإسرائيلي على غزة والتهديد الإسرائيلي بالاجتياح البري لمدينة رفح الفلسطينية يتطلب من القادة العرب قدرًا مناسبًا من التنسيق للتوصل إلى موقف عربي موحد يضغط لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة بالتشبيك مع القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تزال ترفض وفق تصريحات مسؤوليها أي اجتياح لرفح الفلسطينية دون الأخذ فى الاعتبار حال المدنيين الموجودين بها، بالتزامن مع ذلك فإن قضية المساعدات الإنسانية وتنظيم دخولها إلى قطاع غزة الذى يعاني وضعًا كارثيًا تصبح من الملفات المحتمل مناقشتها على جدول أعمال القمة العربية المقبلة بالمنامة.

(*) الأزمات في دول الصراعات العربية: تشكل الأزمات في دول الصراعات العربية من القضايا المطروحة بشكل دائم على جدول أعمال القمم العربية، فالأزمة السودانية تدخل عامها الثاني دون وجود أي أفق سياسي لتوقف الحرب الأهلية التي تهدد أمن السودان واستقلاله، ووحدته وسلامته الإقليمية في ظل صراعات وانقسامات داخلية بين مكونات المجتمع السوداني، بما في ذلك مكونه العسكري الأمني الذي يتجسد في كيانات عسكرية نظامية وأخرى غير نظامية أدت إلى نزوح ما يقرب من ستة ملايين سوداني داخل السودان وخارجها. لذلك فإن هناك حاجه ملحة لأن يتم احتواء الصراع في السودان ومنع تمدده إقليميًا لا سيما في مناطق الجوار الهشة مثل الساحل وجنوب البحر الأحمر، وبالتالي فإن دعم الجامعة العربية للمفاوضات يشكل الأمل لحل الصراع في السودان، الذي سيعتمد على كيفية التغلب على العقبات الداخلية والخارجية، وتنسيق الجهود الدولية وتلبية الاحتياجات الإنسانية الملحة للسكان.

كما تشكل الأزمة الليبية أيضًا تحديًا للأمن القومي العربي، بما يجعلها ضمن الملفات المحتملة على أجندة القمة العربية المقبلة، لا سيما أن المبعوث الأممي إلى ليبيا عبد الله باتيلي عبّر عن قلقه مما وصفه باستمرار الجمود السياسي الحالي للأزمة السياسية في ليبيا، وعواقبه على الوضعين الأمني والاقتصادي للمواطنين الليبيين، وقد نجحت الجامعة العربية في عقد لقاء بين الأطراف الرئيسية في الأزمة الليبية مارس 2024، وبرغم اتفاق رؤساء مجالس: الرئاسي محمد المنفي، والنواب عقيلة صالح، والأعلى للدولة محمد تكالة بمقر جامعة الدول العربية على ضرورة تشكيل حكومة موحدة جديدة تشرف على الانتخابات، إلا أن ذلك التعهد لم يترجم على أرض الواقع بما يحتاج لتجديد دعم جامعة الدول العربية لتشكيل حكومة موحدة تتمكن من الإشراف على الاستحقاقين الانتخابيين، الرئاسي والنيابي.

أما على صعيد الأزمة اليمنية فإن توقيع الاتفاق السعودي الإيراني باستعادة العلاقات الدبلوماسية سيكون له تأثيرة على التهدئة في اليمن بين الفرقاء، بما يعطي للجامعة العربيةإمكانية أن تساعد في دعم الحوار اليمني-اليمني، حتى تتمكن مؤسسات الدولة من القيام بأدوارها وصولًا لتشكيل حكومة وحدة وطنية بعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

(*) الأزمة الإثيوبية – الصومالية: تشكل الأزمة الإثيوبية الصومالية إحدى القضايا المحتمل أن تطرح على أجندة أعمال القمة العربية المقبلة، لا سيما بعد أن وقّعت إثيوبيا اتفاقًا مع إقليم أرض الصومال – غير المعترف به دوليًا– لإنشاء ميناء تجاري وقاعدة عسكرية في مدخل البحر الأحمر. وقد أعربت الجامعة العربية على لسان المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للجامعة جمال رشدي عن رفض وإدانة أي مذكرات تفاهم تحل أو تنتهك سيادة الدولة الصومالية، كما أكد البرلمان العربي رفضه التام لأي محاولات لانتهاك سيادة واستقلال ووحدة الصومال، مطالبًا إثيوبيا بالإلتزام بقواعد ومبادئ حُسن الجوار، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بما يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة. لذلك من المحتمل أن تكون تلك القضية على أجندة القمة المقبلة، لا سيما أن تصريحات الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أكدت أن القانون الدولي والمصالح الدولية يرفضان المنهج الإثيوبي في فرض سياسة الأمر الواقع على المجتمع الدولي.

(*) الأمن الغذائي العربي: يمثل الأمن الغذائي العريى أحد أهم التحديات التي تواجه المنطقة العربية، الأمر الذي أكده تقرير صادر في مارس 2024 عن كل من منظمة الأغذية والزراعة، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسيف، والإسكوا بأن مستويات الجوع وسوء التغذية وصلت إلى مستويات حرجة في المنطقة العربية، بسبب جائحة كوفيد 19 والحرب في أوكرانيا التي أعاقت إمكانية الحصول على الأغذية الأساسية. كما كشف التقرير أن ما يقدر بنحو 53,9 مليون شخص عانوا من انعدام الأمن الغذائي الشديد في المنطقة العربية فى عام 2021، أي بزيادة قدرها 55% منذ 2010، وزيادة قدرها 5 ملايين عن العام السابق. وتماشيًا مع ذلك الواقع فمن المحتمل أن تكون قضية الأمن الغذائي العربي من أولويات مناقشات القمة المقبلة بالبحرين.

(*) اللاجئون فى المنطقة العربية: تمثل قضية اللاجئين في المنطقة أحد التحديات التي تواجه دولها سواء أكانت من دول الإرسال أو الممر أو الاستقبال، بما تمثله من عبء اقتصادي وإنساني وثقافي على الدول المستقبلة، فعلى سبيل المثال وفقًا لأحدث تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة بشأن تتبع عمليات النزوح حول العالم، أجبر أكثر من 7,7 مليون سوداني على الفرار من منازلهم، منهم 6 ملايين داخل السودان، بينما فر 1,7 مليون آخرون عبر الحدود إلى دول جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا ومصر وجمهورية إفريفيا الوسطى وليبيا. لذلك تعد قضية اللاجئين في المنطقة العربية من القضايا التي تحتاج لمناقشات بنّاءة داخل أروقة القمة العربية المقبلة بالبحرين، حتى لا تتحمل دول بعينها التكلفة الاقتصادية لتلك الظاهرة من دون مشاركة فعّالة من الدول العربية والمجتمع الدولي بشكل عام.

(*) الحرب الروسية الأوكرانية: تشكل الحرب الروسية الأوكرانية أحد الملفات المحورية على أجندات القمم العربية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية فبراير 2022، لا سيما أن البيان الختامي للقمة العربية بالجزائر في نوفمبر 2022 شدد على الإلتزام بمبادىء عدم الانحياز، وبالموقف العربي المشترك من الحرب الذي يقوم على نبذ استعمال القوة، والسعي لتفعيل خيار السلام عبر الانخراط الفعلي لمجموعة الاتصال الوزارية العربية التي تضم الجزائر، ومصر، والأردن، والإمارات، والعراق، والسودان، والأمين العام لجامعة لدول العربية في الجهود الرامية لبلورة حل سياسي للأزمة يتوافق مع مبادىء ميثاق الأمم لمتحدة ويراعي الشواغل الأمنية للأطراف المعنية، مع رفض تسييس المنظمات الدولية. ونظرًا لتداعيات الحرب على الدول العربية سواء فيما يتعلق برفض الاصطفافات الدولية التي تعمّق من الانقسام على المستوى الدولي وتؤثر على السلم والاستقرا الدوليين أو ما يتعلق بالتداعيات الاقتصاية للحرب في ظل ارتفاع فاتورة واردات الغذاء العربي من روسيا وأوكرانيا، فإن ملف الحرب الروسية من المحتمل أن يكون على أجندة القمة العربية المقبلة في البحرين، وربما لمتابعة ما تم إنجازه على مستوى لجنة الاتصال العربية.

مجمل القول تتنوع الملفات المحتمل مناقشتها على أجندة القمة العربية المقبلة بالبحرين في ظل تزايد توقعات الشارع العربي في أن تنجح القمة في تعزيز التضامن العربي لمواجهة تداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة، وذلك من خلال الاستخدام الأمثل لمفردات القوة العربية الشاملة في بُعدها الاقتصادي من أجل الضغط على المجتمع الدولي والتشبيك مع الدول الكبرى التي تتبنى حل الدولتين لوقف اطلاق النار وإعادة إحياء عملية السلام.