ماجد كيالي يكتب: 30 عامًا على اتفاق أوسلو

كتاب و أراء
144
0

شارك

ماجد كيالي

رغم مرور ثلاثة عقود على توقيع اتفاق أوسلو (13 أيلول /سبتمبر 1993) فإن ذلك الاتفاق مازال يحتل مكانة مركزية في النقاشات الفلسطينية، في الخلافات والتوافقات، في التحديات والتعقيدات والتداعيات، وعمّا إذا كان ذلك الخيار اضطراريًّا أو اختياريًّا، بالنظر للتحولات الكبيرة التي أحدثها في بنية النظام السياسي الفلسطيني، وفي خطاباته، ومفاهيمه، وآليات عمله.

وفي الإجمال فإن أهم التحولات التي نجمت عن ولوج هذا الخيار، في ظروف غير مواتية للفلسطينيين عربيًّا ودوليًّا، يمكن تمثلها في الآتي:

أولاً، تحويل الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرر وطني إلى سلطة على جزء من شعبها، في جزء من أرضه، والمشكلة هنا أنها سلطة على شعبها فقط، وليس على أرضه وموارده، إذ أنها سلطة تحت سلطة الاحتلال، أو مقيدة بقيوده السياسية والاقتصادية والأمنية والإدارية.

ثانياً، إزاحة أو تهميش منظمة التحرير الفلسطينية، التي تعتبر أهم إنجاز للحركة الوطنية الفلسطينية، بالنظر إلى حال التشتت الفلسطيني، وغياب إقليم موحد له، إذ انتقل مركز العمل السياسي الفلسطيني من المنظمة إلى السلطة، الأمر الذي عكس نفسه، أيضا، في انزياح الفلسطينيين اللاجئين من مركز المعادلات السياسية الفلسطينية.

ثالثاً، تفكيك مفهوم وحدة الشعب الفلسطيني، فبينما كانت منظمة التحرير تعتبر ممثلاً لذلك الشعب في كل أماكن وجوده أضحت السلطة تمثل الفلسطينيين في الضفة وغزة، ما نجم عنه تغييب اللاجئين الفلسطينيين، أو إزاحتهم، من المعادلات السياسية الفلسطينية؛ بعدما كان تم استبعاد فلسطينيي الـ 48 من جسم المنظمة، والتعاطي معها بدلالة مواطنيتهم في إسرائيل، وليس بدلالة انتمائهم لشعبهم الفلسطيني.

رابعاً، تغيير الخطاب السياسي الفلسطيني الذي أسس للهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة، من خطاب يتأسس على النكبة (1948)، الناجمة عن إقامة إسرائيل وولادة مشكلة اللاجئين، إلى خطاب يتأسس على أن الصراع مع إسرائيل يتلخص بإنهاء الاحتلال الذي بدأ في حرب حزيران (يونيو) 1967، وإقامة، أو استقلال، الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع؛ بحسب تعبيرات الخطابات الرسمية الفلسطينية وضمنها قرارات المجالس المركزية والمجلس الوطني.

خامساً، انتهاء مفهوم الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وفتح المجال لعلاقات عربية مع إسرائيل، بالتحرر من شعار أن «فلسطين قضية مركزية للأمة العربية»، أو أن فلسطين هي بوابة أو جسر للعلاقات العربية مع إسرائيل أو بالعكس، إذ لا يمكن ملاحظة اتساع التطبيع مع إسرائيل بمعزل عن تحول القيادة الفلسطينية نحو خيار أوسلو، وضمنه تغيير السردية الوطنية بالاعتراف بإسرائيل وحصر الصراع معها على الأراضي التي احتلت عام 1967.

لكن هل كان اتفاق أوسلو خياراً اضطراريًّا أو إجباريًّا للقيادة الفلسطينية؟

في الحقيقة لم يكن كذلك، ربما أن انخراط القيادة الفلسطينية في مؤتمر مدريد للسلام (1991) كان اضطراريًّا، لكن مسار اتفاق أوسلو اختارته القيادة الفلسطينية، ممثلة بالزعيم الراحل ياسر عرفات والرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس وعضو اللجنتين التنفيذية للمنظمة والمركزية لحركة فتح أحمد قريع، كمسار سري، بمعنى أنه لم يتم التقرير في شأنه داخل الهيئات الفلسطينية القيادية الشرعية، ولا حتى ضمن اللجنة المركزية لحركة فتح؛ وهو أقر في المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1996، أي بعد إقامة كيان السلطة بثلاثة أعوام.

وربما يمكن تفسير هذا الخيار بتخوف القيادة الفلسطينية من المحاولات الدولية لعزلها، لا سيما مع تحديد وفد فلسطيني من الضفة وغزة للمشاركة في المفاوضات باسم الفلسطينيين، ضمن الفريق الأردني المفاوض (في مؤتمر مدريد وفي المفاوضات ثنائية الطرف). وعلى الأرجح فإن ذلك التخوف لم يكن مشروعًا ولا ملموسًا لأن الوفد الفلسطيني (ضمن الفريق الأردني) كان يترأسه د. حيدر عبد الشافي الشخصية الوطنية المعروفة باستقامتها ونزاهتها، وكان وأعضاء الوفد يتعمدون التصريح دائمًا بأن مرجعيتهم هي منظمة التحرير الفلسطينية.

والمعنى أنه كان في إمكان القيادة الفلسطينية الاعتماد على الوفد الفلسطيني من الداخل، وفرض الاعتراف به كطرف مستقل، خارج الفريق الأردني، كي يحصّل هذا الوفد ما يمكن تحصيله، في تلك الظروف والمعطيات غير المواتية، من دون توريط منظمة التحرير في مخاطر كسر الرواية التاريخية الجامعة للشعب الفلسطيني، ومن دون التفريط بمكانة المنظمة ككيان جامع للفلسطينيين، وكمعبّر عن وحدة قضيتهم.

ويمكن القول هنا إن وفد الداخل كان يمكنه أن يحصل على مكاسب للفلسطينيين أكثر من وفد المنظمة في المفاوضات، لتحرره من أي ضغوط خارجية، وأنه في حال عدم تمكنه من ذلك، فإن أي اتفاق مجحف كان يمكن عقده ما كان ليشكل التزامًا بالنسبة لقيادة المنظمة، ما يبقي الأفق السياسي مفتوحًا أمامها، لتحصيل المزيد من الحقوق.

أيضًا، بعد إقامة السلطة، كان ثمة خيار للقيادة الفلسطينية، بعدم الجمع بين رئاسة المنظمة والسلطة وفتح، وهذا ما فعله الرئيس الراحل ياسر عرفات، وفعله خلفه محمود عباس، رغم أنه كان ينتقد ذلك في زمن عرفات!.. وكما شهدنا فإن نتيجة التماهي بين المنظمة والسلطة، لصالح السلطة، لم يكن صائبًا، إذ خسر الفلسطينيون المنظمة، ولم يكسبوا السلطة.

باختصار، ووفقًا لمآلات الأمور، فإن إسرائيل استطاعت، عبر الاتفاق، تجزئة قضية فلسطين، وتجويف حركتها الوطنية، وحاولت التخفف من صورتها كدولة استعمارية تسيطر على شعب آخر بالقوة، والتحرر من مسؤولياتها السياسية والأمنية والاقتصادية والأخلاقية كدولة احتلال.