ماجد كيالي يكتب: تمثلات الوعي السياسي عند تيارات الإسلام السياسي

كتاب و أراء
177
0

ماجد كيالي

ثمة عديد من الإشكاليات في تمثلات الوعي السياسي لدى تيارات الإسلام السياسي، على تنوعها واختلافاتها، أولها، يرتبط بمسألة الشرعية، أو مصدر الحكم والتشريع. وثانيها، يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية وتداول السلطة. وثالثها، يتعلق بفكرة المواطنة والدولة.
فيما يتعلق بالجانب الأولى، تبدو انحيازات تيارات الإسلام السياسي حائرة بين فكرة «الحاكمية لله»، وأن الشريعة هي مصدر التشريع، عند التيارات السلفية المتشدّدة، إلى اعتبار أحكام الإسلام بمثابة المصدر الرئيس أو الأساس للتشريع بالنسبة للتيارات الأقل تشدّداً (حالة جماعة «الإخوان المسلمين» مثلاً)، وصولاً إلى القول بالدولة المدنية، مع النص على دين الدولة، عند بعض الجماعات المعتدلة أو المتنورة. ولعل تلك الاختلافات تبيّن أن بعض أطراف التيارات الإسلامية قد تذهب، في ظل ظروف معينة، نحو حلول وسط مع التيارات والأطياف المدنية الأخرى في مجتمعاتها، وهو ما حصل في تونس وإلى حد ما في المغرب، وتركيا، مثلا.
وفي ما يتعلق بالجانب الثاني، في شأن الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية، وتداول السلطة، فقد اختلفت تيارات الإسلاميين بشأنها، أيضاً، إذ اعتبرتها الجماعات السلفية والجهادية المتطرفة بمثابة خروج عن الدين، ونوعاّ من التحلل والتغرّب والكفر. في حين أجازت التيارات الوسطية الأخذ بها في الحدود التي لا تتعارض مع الشرع، ولا تمسّ بخصوصيات وتقاليد المجتمعات الإسلامية، وفق تصوراتها. وثمة تيار رأى أنه يمكن التماشي مع هذا الأمر، باعتبار أن «لا إكراه في الدين»، وأن ذلك يدخل في إطار المسؤولية الفردية.
أما في المسألة الثالثة، وهي على غاية الأهمية بحكم نقص الدولة والمواطنة عندنا، فإن الحركات الإسلامية، سيما المتشدد أو السلفي منها، تتعامل على كونها هي التي تمثل: الأمة، وأن الدولة يفترض أن تسخر في خدمة ما تعتقده بأنه الشريعة، أو وكالة الله على الأرض، وليس صدفة أن كتب على الباب العالي في إسطنبول: “السلطان خليفة الله على الأرض”.
هكذا يمكن الاستنتاج أننا إزاء حركات إسلامية متعددة، ذات توجهات مختلفة، وتفسير ذلك الافتقاد إلى نص ديني مرجعي يحسم في القضايا التي ذكرناها. إذ أن التجربة التاريخية للمجتمعات الإسلامية، في بناء الدولة، أو في اختيارات النظم السياسية، لم ترجّح شكلاً معيّنا للأخذ به. ذلك أن القول بالخلافة، مثلاً، لا يفيد شيئاَ، وجاء بعد اختتام الرسالة المحمدية،،لذا فعدا عن فواته التاريخي، لا يؤشّر إلى نموذج معين، ذلك أن الخلافة خرجت من نطاق «الشورى» في عهدها الأول، وتحولت إلى الوراثة، والغلبة، في على مدار ستة قرون، ثم أضحت مجرد غطاء للهيمنة العثمانية على العالمين العربي والإسلامي، طوال اربعة عقود.
وينجم عن ذلك نوع من مفارقة، فبينما تعتقد تيارات الإسلام السياسي انها بتشددها تنصر الإسلام، إذا بها تطرح في التداول اسلامات متعددة، ومختلفة، وحتى متنازعة فيما بينها، إذ كل واحدة منها تدعي أنها تمثل صحيح الإسلام، وأنها «الفرقة الناجية»، وأنها الوكيل الحصري للمسلمين والمعبر عنهم.
وثمة مفارقة أخرى هنا، مفادها أن هذه التيارات، بدعوى الأسلمة، أو الاعتقاد بها، تحول الإسلام إلى نوع من أداة أو وسيلة، بدلاً من تنزيهه، وأنها عوض المحافظة على قدسيته، تزجّه في معمعان الصراعات الدنيوية، على المصالح والأهواء، بحيث تبدو إسلامات الأرض والبشر تنازع إسلام السماء. وبديهي أن النتيجة التي تنجم عن ذلك هي الإضرار بصورة الإسلام ذاتها، وتحول بعض الإسلاميين إلى عبء عليه، وفوق هذا وذاك، فإن ذلك يشجع على استغلال الإسلام، ووضعه في خدمة السلطات.
ومشكلة التيارات الإسلامية هنا انها في تسرّعها واستسهالها الانخراط في السياسة، والحكم، لا تميّز في أغلب الأحوال في قناعاتها بين الدين والدنيا، أو بين شؤون العبادات وشؤون المعاملات، وأنها لا تعلي من شأن القيم الدينية السمحاء، المتعلقة بالحرية والعدالة والمساواة والكرامة، وتقلل من شأن مقتضيات إدارة احوال البشر وتدبّر شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية وغيرها.
أيضا لعل ما يحصل اليوم في المشرق العربي، يمثل فرصة للتيارات الإسلامية العقلانية والمتنورة للتصالح مع الواقع والعصر والعالم، وذلك بالتميّز عن الجماعات المتطرفة، والتكفيرية، واللاعقلانية، وتحمل مسؤولية دحض تغطّيها بالإسلام للدفاع عن النظم الاستبدادية، على نحو ما يفعل حزب الله وعصائب الحق وكتائب أبو الفضل العباس، أو على نحو ما يفعل داعش والقاعدة وتفريعاتهما، وكل الذين يحاولون وضع مجتمعاتنا أمام خيارين عقيمين وظلاميين وعنفيين.
بديهي أن ذلك يتطلب، أيضا، تفكيك الأطروحات، التي ترتكز عليها هذه الجماعات، والمتعلقة بالحاكمية وأهل الحل والعقد، والخلافة أو الإمامة أو الولي الفقيه، ووضعها في ظرفها التاريخي، باعتبارها ليست من الإسلام، وذلك في سياق التأسيس لفكر سياسي إسلامي يميّز بين شؤون الدين وشؤون الدنيا، وبين الإسلام وتاريخ المسلمين، ويركز على مقاصد الدين المتعلقة بالحرية والمساواة والعدالة والكرامة، لاسيما بكونها جزءاً من منظومة القيم الإنسانية.