لماذا يقف بوتين مكتوف الأيدي أمام التهديدات الأمريكية لحلفائه؟

دولي
161
0

عندما دخلت قوات المعارضة السورية دمشق قبل ما يزيد قليلاً عن عام، وقفت موسكو مكتوفة الأيدي بينما أُطيح بحليفها القديم بشار الأسد سريعاً من السلطة.

وفقا لتقرير صنداي تايمز، شكّل تقاعس الكرملين بداية ما يبدو الآن نمطاً أوسع نطاقاً: عدم رغبة روسيا أو عجزها عن الدفاع عن الأنظمة التي تحالفت بشكل وثيق مع الرئيس فلاديمير بوتين.

ظهر هذا النمط مجدداً هذا الشهر عندما نُشرت قوات أمريكية نخبوية في فنزويلا للقبض على نيكولاس مادورو، وهو زعيم آخر كان يعوّل على دعم موسكو. واقتصر رد روسيا على إدانات شكلية لما وصفته بـ”الاستعمار الجديد والإمبريالية” الأمريكية.

إيران هي الهدف التالي

الآن، تحوّلت الأنظار إلى إيران. فمع تصاعد الاحتجاجات واحتمال شنّ غارات جوية أمريكية، لم تُبدِ موسكو أي مؤشر على استعدادها لتقديم العون للجمهورية الإسلامية أو مرشدها الأعلى، علي خامنئي. إن صمت الكرملين لافت للنظر، لا سيما بالنظر إلى أهمية طهران كآخر حليف رئيسي لروسيا في الشرق الأوسط.

يمثل هذا التردد ضربةً ليس فقط لجهود بوتين في تصوير روسيا كقوة عالمية صاعدة، بل أيضاً لطموحه في تشكيل تحالف دائم من الدول المناهضة للغرب.

فنزويلا وحدود النفوذ الروسي

أثبتت العملية الأمريكية في فنزويلا أنها محرجة للغاية لموسكو. فقد أفادت التقارير أن منظومات الدفاع الجوي الروسية الصنع، إس-300 وبوك-إم2، فشلت في منع القبض على مادورو، مما أثار تساؤلات حول موثوقية الأسلحة الروسية وجدية التزام الكرملين تجاه شركائه.

صرح مصدر مقرب من الحكومة الروسية لموقع “ميدوزا” الإخباري المعارض، بأن الضرر لم يقتصر على فنزويلا نفسها. وحذر المصدر من أن الحلفاء سيقلّ احتمال اعتبارهم روسيا حامياً يُعتمد عليه، واصفاً الحادثة بأنها ضربة قوية لصورة موسكو.

من خطاب القوة العظمى إلى ضبط النفس الاستراتيجي

بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، تفاخر بوتين بأن روسيا في طريقها لاستعادة مكانتها كقوة عظمى التي فقدتها مع انهيار الاتحاد السوفيتي. وفي عام 2018، كشف النقاب عما وصفه بالأسلحة النووية “التي لا تُقهر”، وحث الغرب على “الاستماع إلينا الآن”.

لكن لهجته تغيرت منذ ذلك الحين. ففي خطاب ألقاه مؤخراً في الكرملين، انتقد بوتين من يسعون إلى فرض إرادتهم على الآخرين، لكنه لم يُشر بشكل مباشر إلى تحركات واشنطن في فنزويلا أو التهديدات الموجهة ضد إيران.

كما التزم الكرملين الصمت حيال احتجاز القوات الأمريكية لناقلة نفط ترفع العلم الروسي، وتحذيرات الرئيس دونالد ترامب لكوبا، وهي شريك روسي قديم آخر.

الحرب في أوكرانيا تستنزف الموارد

يقول المحللون إن فشل روسيا في الدفاع عن حلفائها متجذر في واقع مرير. مع تورط جيشها في أوكرانيا، في حربٍ وصفها بوتين بأنها وجودية، تواجه موسكو خيارًا صعبًا بين صراعات تعتقد أنها قادرة على إدارتها، وأخرى قد تُدخلها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

يصف عباس غالياموف، كاتب خطابات سابق في الكرملين، بوتين على الساحة الدولية بأنه “نمر من ورق”: زعيم ذو طموحات واسعة، لكنه يفتقر إلى الموارد الاقتصادية والعسكرية الكافية لتحقيقها.

استمالة ترامب، حتى على حساب الآخرين

على الرغم من التوترات، لا يزال الكرملين حريصًا على الحفاظ على علاقات عملية مع ترامب، على أمل أن يضغط على أوكرانيا للتوصل إلى تسوية تُرضي موسكو. وقد أشار ترامب مرارًا وتكرارًا إلى أن كييف، وليس روسيا، هي العقبة الرئيسية أمام السلام، بل إنه شكك في استعداد الرئيس فولوديمير زيلينسكي للتوصل إلى اتفاق.

يرى معهد دراسات الحرب، ومقره واشنطن، أن روسيا ستواصل استمالة ترامب، حتى على حساب شركاء مثل إيران، لأن النصر أو التوصل إلى حل وسط في أوكرانيا يظل أولوية استراتيجية قصوى لموسكو.

تحالفٌ قائم على المصالح مع طهران

على الرغم من توقيع روسيا وإيران اتفاقية شراكة استراتيجية العام الماضي، إلا أنها لم تصل إلى حدّ اتفاقية دفاع مشترك. وعندما استهدفت غارات إسرائيلية وصواريخ أمريكية أهدافًا إيرانية في يونيو، التزمت موسكو الحياد مجددًا.

يقول جون لوف، من مركز الاستراتيجيات الأوراسية الجديدة، إن هذا يعكس حساباتٍ باردة. فقد دعمت تكنولوجيا الطائرات المسيّرة الإيرانية في السابق المجهود الحربي الروسي، لكن موسكو قامت منذ ذلك الحين باستنساخ هذه الأنظمة وتطويرها محليًا. وبعد أن حصلت روسيا على ما تحتاجه، لم تعد تشعر بأنها مُلزمة بتقديم حماية فعّالة في المقابل.

اقرأ أيضا.. النفط قبل الديمقراطية.. كيف استبدل ترامب “نوبل” المعارضة بـ”ذهب” فنزويلا الأسود؟

ضعفٌ وراء السخرية

أثار عودة ترامب إلى منصبه في البداية آمالًا في موسكو بأن واشنطن ستتسامح مع مزيد من حرية روسيا في العمل. ومع ذلك، يقول المحللون إن سياسة “أمريكا أولًا” لها وجهان. فقد كشف احتمال تغيير النظام في إيران بدعمٍ أمريكي عن حدود النفوذ الروسي، وهشاشة التحالفات المبنية على المصالح أكثر من الالتزام.

في النهاية، يكشف فشل روسيا المتكرر في الوقوف إلى جانب حلفائها ليس فقط عن السخرية، بل عن ضعف أعمق في صميم مشروع بوتين المناهض للغرب.