شكراً للعدوان الإسرائيلي الغاشم!!!

كتاب و أراء
64
0

عماد الدين حسين

جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل منذ 7 أكتوبر الحالي، وبلغت ذروتها في مذبحة مستشفى الكنيسة الأسقفية «المعمداني» في غزة، أعادت تذكير الجميع بحقيقة الوجه الأكثر بشاعة لإسرائيل، والتي حاولت بكل الطرق إخفاءه في السنوات والعقود الماضية.
قد يستغرب البعض إذا قلت إن العدوان الإسرائيلي الوحشي والدموي واللاإنساني بحق الشعب الفلسطيني عموما وسكان غزة خصوصا، أعاد تذكير البسطاء والسذج والمخدوعين وحسني النية بالطبيعة العنصرية الفاشية لهذا الكيان الصهيوني.
لكن الأهم أنني ــ وغيرى كثيرون ــ قلق جداً من أن معظم الأجيال العربية الجديدة لا تعرف حقيقة هذا الكيان الإرهابي بفعل موجات التضليل وغسل المخ التي تعرضوا لها طوال العقود الماضية.
ومن باب السخرية فمن واجبنا أن نوجه الشكر لإسرائيل وعدوانها على أنها تكفلت بحل هذه المشكلة الصعبة بصورة لم نحلم بها، ونسفت في أسبوعين ونصف فقط حتى الآن، ما بنته طوال ٤٦ سنة هي المدة الزمنية منذ زار الرئيس المصري الأسبق أنور السادات القدس المحتلة في ١٧ تشرين الثاني ١٩٧٧ وحتى بدء العدوان الوحشي والهمجي الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر الحالي، وربما ما بنته منذ النكبة عام 1948.
ما بين هذين التاريخين محاولات إسرائيلية كثيرة مدعومة أميركياً وأوروبياً لتجميل وجه إسرائيل، وتصويرها كحمامة سلام وديعة تخشى الذئاب الكثيرة التي تحيطها في هذه المنطقة العربية!
إسرائيل كانت تروج لنفسها بأنها واحة من الديمقراطية وسط غابة من الاستبداد العربي، والمؤسف أن الغرب صدق هذه الكذبة ولا يزال. والأكثر أسفاً أن بعض المواطنين بل والمثقفين العرب صدق ذلك أيضاً.
لا نقول إن الوطن العربي يعيش في واحة من الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمؤكد أن إسرائيل توفر لبعض مواطنيها من اليهود الأوروبيين «الأشكناز» قدراً لا بأس به من الديمقراطية على الطريقة الغربية، لكن جوهر هذه الديمقراطية غائب وفارغ تماماً، حينما يتعلق الأمر ليس فقط بالمواطنين العرب، بل باليهود الذين تم جلبهم من أماكن مختلفة مثل يهود الفلاشا الإثيوبيين وبعضهم تظاهر كثيراً احتجاجاً على ظروفهم المعيشية بعد أن ظنوا أنهم جاؤوا إلى الجنة الموعودة أو أرض الميعاد!
الأجيال الجديدة من العرب لا تعرف كثيراً عما ارتكبته إسرائيل من مجازر ومذابح منذ زرعها في المنطقة عام ١٩٤٨ من أول مذبحة دير ياسين وحتى مذبحة كنيسة المعمداني قبل أيام.
معظم الأجيال الجديدة تعرف عن إسرائيل أنها بلد متقدم خصوصاً في مجال التكنولوجيا والصناعات العسكرية وهو كلام صحيح بالطبع لا ننكره، لكن هذه الأجيال لم تتعلم في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام أن خلف هذا الوجه الإسرائيلي البراق المليء بالمساحيق الكثيفة هناك وجه بائس مشوه وشديد القبح.
وبالتالي فإن هذه الأجيال التي كان بعضها ينظر لإسرائيل نظرة إعجاب، فوجئ بالوجه الأكثر بشاعة لإسرائيل، خصوصا حينما وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت الفلسطينيين بأنهم حيوانات.
الأجيال العربية الجديدة اكتشفت أن الإسرائيليين لا ينظرون للفلسطينيين على أساس أنهم يستحقون الحياة أصلاً، ولذلك قال غالانت أيضا في اليوم الأول للعدوان: «لا غذاء ولا دواء ولا وقود ولا ماء للفلسطينيين» وهو ما يعني الحكم بإعدامهم جوعاً وعطشاً لمن لا يموت بالقصف الإسرائيلي.
الأجيال الجديدة اكتشفت حقيقة الوجه الإسرائيلي الذي حاول كثيرون إخفاءه طوال الـ٤٦ سنة الماضية، وبالتالي فإن ما خسرته إسرائيل في هذا العدوان لا يعد ولا يحصى.
يمكننا القول بثقة مطلقة إن الخسارة الإسرائيلية استراتيجية فيما يتعلق بهذه النقطة، وهو أمر كان يتطلب كثيراً من الجهد والوقت والمال للوصول إليه، لكن الحماقة الإسرائيلية ــ وربما الأفضل القول ظهور الوجه الحقيقي لإسرائيل ــ أغنتنا كثيراً عن بذل كل الجهد والوقت والمال.
العدوان الإسرائيلي المستمر أدى إلى كوارث كثيرة في الأرواح والعتاد، لكنه أيضا كشف لنا حقيقة السياسات الإسرائيلية وجوهرها المعادي لكل ما هو إنساني.