«جيش من الأيتام».. كيف حصد الإيدز الأرواح في جنوب إفريقيا؟

الصحة
66
0

كغيره من عدد كبير من مواطني جنوب إفريقيا، حُرم ندوميسو جاميدي من والديه اللذين أودى الإيدز بحياتهما الواحد تلو الآخر في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وأدت العلاجات إلى منع تفاقم الأزمة لكن تأثيرها على هذا “الجيل الضائع” ما زال واضحا.

ويعرض مغني الراب البالغ من العمر 28 عاما والذي اضطر إلى تربية أخيه الصغيرين منذ أن كان في سن الثالثة عشرة، صورا لوالديه معلقة على جدار تحت ضوء خافت في المرآب الذي يعيش فيه في مدينة الصفيح فسلوروس على بعد نحو 30 كيلومترًا عن جوهانسبرج.

وقال لوكالة فرانس برس: “كانا مصابين بفيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) وكاد موتهما أن يدمرني”.

وعبر عن أسفه لأنه “لم يكن لديه من يوجهه وهو في سن المراهقة”.

وقد نجا من المخدرات والجريمة ويقول إن الموسيقى أنقذته.

وقبل أيام قليلة من اليوم العالمي للإيدز في الأول من ديسمبر/ كانون الأول، لا تزال نسبة المصابين بالإيدز في جنوب إفريقيا تبلغ 13,7%، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم.

لكن أكثر من 5,4 ملايين شخص من أصل ما يقدر بنحو 8,2 ملايين مصاب يتناولون أدوية مضادة للفيروسات في إطار واحد أكبر برامج علاج فيروس الإيدز في العالم أدى إلى خفض معدل الوفيات بشكل كبير.

وتذكر أجنيس موكوتو التي ترأس برنامجا مخصصا لمحاربة المرض في كيب تاون ضمن منظمة غير حكومية إن “عدد الأطفال الذين يصبحون أيتاما بسبب الإيدز إنخفض” نتيجة لهذا البرنامج.

وقد تراجع عددهم من 1,9 مليون طفل في 2009 إلى 960 ألفا في 2021، حسب برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الإيدز.

وأدت الفجوة في هرم الأعمار بسبب الوباء إلى خلق جيل ضائع، وخصوصا آباء صغار السن.

تقول الطبيبة ليندا جيل بيكير، من مؤسسة “ديزموند توتو لمكافحة الإيدز” “في الأيام المظلمة من مطلع الألفية الثانية، كان الناس يموتون بشكل جماعي ما أدى إلى جيش من الأيتام”.

وتوفي والدا ندوميسو في ذروة الكارثة منذ حوالي 15 عامًا، في ذلك الوقت، انتشرت العدوى بسرعة كبيرة وفاقمها عدم اعتراف رئيس جنوب إفريقيا آنذاك ثابو مبيكي، بالأزمة، ما أدى إلى تأخر توزيع العلاجات ومضادات الفيروسات بشكل واسع في البلاد.

وأفادت دراسة أجرتها جامعة هارفرد بأن أكثر من 330 ألف شخص لقوا حتفهم بسبب سوء إدارة الرئيس مبيكي ووزيرة الصحة التي كانت تسمى “الدكتورة شمندر” لأنها أوصت باستخدام مغلي الليمون كعلاج.

وأكد نائب الرئيس ديفيد مابوزا مؤخرًا أنه على الرغم من التقدم المحرز، ما زالت حكومة جنوب إفريقيا “قلقة بشأن معدلات الإصابة المرتفعة” لا سيما “بين المراهقات والشابات”.

وتعد العلاقات الجنسية التعاقدية مع رجال أكبر سناً مقابل المال السبب الرئيسي لهذا الانتشار، ويغذيه معدل البطالة المرتفع جدا (33,9%).

وخوفا من العار، تمتنع هؤلاء النساء عن البحث عن “رعاية صحية كافية”، على حد قول سيبونجيل تشابالالا رئيسة “حملة التحرك للعلاج” (تريتمنت اكشن كامبين)، مشيرة إلى ممرضات يؤنبن اللواتي يطلبن وسائل لمنع الحمل أو الخضوع لفحص.

أدى تحريم الحديث عن الإيدز أو الإحراج الذي يسببه، إلى عزل الموسيقي الشاب، وهو يتذكر أنه عندما مات والداه “أدارت أسرة والدتهما ظهرها لهم ولم تكن تريد أن تعرف ما ينقصنا”.

وقدم لهما الجيران الطعام، ووجد ندوميسو وظيفة في مطعم للوجبات السريعة لكن أجره “لم يكن كافياً”.

ويعيش شقيقاه الأصغر سنا وأحدهما مدمن مخدرات، في أكواخ هشة قريبة.

والخوف من العار هو الذي حال دون حصول والديه على علاج مناسب وكان عليهما الاختباء. ويؤكد مغني الراب أنه “لو تناولوا علاجا لكان أحدهم على قيد الحياة حتى الآن”.

كما يتعين على أيتام الإيدز الآخرين الكفاح من أجل الحصول على وثائق.

وتقول نونهلانهلا مازاليني، التي تدير مأوى في غرب جوهانسبرج، إنها تعتني بـ”21 شابًا مصابين بالإيدز لا يملكون أوراقا ثبوتية” لأن أسرهم تخلت عنهم.

وتضيف: “لدي طفل صغير أعمى استقبلناه منذ أن كان في الثانية من عمره. إنه الآن في الرابعة والعشرين، بلا وظيفة، ولا يمكنه طلب مساعدة اجتماعية لأنه لا يملك أوراقًا ثبوتية”.

وندوميسو أصبح أباً منذ فترة قصيرة. وعرض بفخر لفرانس برس أحدث تسجيل فيديو له على جهاز الكمبيوتر.

وهو يبحث أيضًا عن عمل، لكن الأمر معقد بدون شهادات، وهو يعتقد أنه لو لم يود الإيدز بحياة والديه لسنحت له “فرص”، كما يقول بحزن.

وقال: “ما كانت الحياة ستصبح بهذا الشكل”.