ثقافة الاختلاف

كتاب و أراء
57
0

د مصطفي الفقي

نكتب اليوم عن ضرورة شيوع ثقافة الاختلاف إذ إن هناك فارقًا كبيرًا بين الاختلاف والخلاف، فالاختلاف هو تباين فى الرأى أقرب إلى الحوار – صامتًا أو معلنًا- منه إلى أى شيء آخر، أمّا الخلاف ففيه دلالة بروز عنصر الإرادة والشعور العميق بالحد الفاصل بين الأطراف، فالاختلاف ظاهرة طبيعية نجمت عن أنماط البشر وتنوع الإنسان، أما الخلاف فغالبًا ما يكون صدامًا فى المصالح وتعارضًا فى الأهداف قد تتولد عنهما خصومة كبيرة تؤدى بالضرورة إلى مواجهاتٍ ليس لها حدود، وعندما نتحدث عن ثقافة الاختلاف فإننا نتذكر المقولة الرائعة للإمام الشافعي: (إن رأيى صوابٌ يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب)، وتوازيها فى الحضارة المسيحية الغربية مقولة فولتير الشهيرة: (إننى مستعد أن أدفع حياتى ثمنًا للدفاع عن رأى أختلف معه)، وقديمًا قالوا: (الاختلاف لايفسد للود قضية)، فالاختلاف شعورٌ إيجابى ليس فيه نزعة سلبية أو إرادة معادية، إذ إن البشر مختلفون بمعنى التعددية والتنوع ولكنهم متساوون فى لحظتى الميلاد والموت مهما يكن موقعهم صعودًا أو هبوطًا فيما بينهم، فالحقوق متساوية والمراكز القانونية واحدة رغم اختلاف الأفكار والمعتقدات والأصول العرقية والمكونات البشرية، ولقد لاحظت فى السنوات الأخيرة أن ثقافة الاختلاف تتراجع بشكل واضح ويحل محلها شعورٌ بالبغضاء يغذيه خطاب الكراهية الشائع فى عالمنا المعاصر وحياتنا الحالية، فقد تراجع حجم السماحة واختفى إلى حدٍ كبير مفهوم قبول الآخر وتاهت تقاليد الحوار البناء وضاعت فى الزحام قيم كثيرة نقلتنا من مرحلة الاختلاف إلى مرحلة الخلاف، ولنا هنا عدة ملاحظات: أولاً: لقد أضحى جليًا أن العامل الثقافى مؤثرٌ بدرجةٍ عالية فى طبيعة التعبير عن الاختلاف وإمكانية الوصول إلى أرضيةٍ مشتركة بين المتحاورين، لذلك فإن تعدد الثقافات كمّا ونوعًا يكون له تأثيره القوى فى تحديد نوعية الاختلاف والوقوف به عند مستوى معين لا يتجاوزه، كما أن الالتقاء الثقافى يؤدى هو الآخر إلى الارتفاع عن مستوى اللغة الهابطة والسمو فوق الصراعات الطارئة والتركيز بشكلٍ موضوعى على ما يمكن أن يؤدى إلى الخروج من المواجهات التى يصنعها الاختلاف. ثانيًا: لاشك أن وجهات النظر المختلفة تختفى وراءها مصالح متضاربة لذلك فإن اختلاف وجهات النظر إنما هو تعبيرٌ عن تضارب المصالح والرغبة فى كسب الموقف برمته لمصلحة وجهة نظر يفرضها طرف معين، ولاشك أيضًا أن توازن القوى الفكرية والحجج المطروحة يلعبان دورًا كبيرًا فى حسم النزاع وتصفية الخلاف، لذلك فإن الارتكاز على مبادئ محددة وأهداف واضحة يعفى المختلفين من عمليات التصعيد غير المبررة والوصول أحيانًا إلى لغة هابطة.

ثالثًا: لقد صاغ العالم المتحضر أساليب للحوار وآدابًا للنقاش تضع حدودًا لما يمكن أن يصل إليه الاختلاف مع قدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر وطرح بدائل أمام الطرفين تؤدى فى النهاية إلى إسقاط عدد من عناصر الاختلاف بين هذه الأطراف المتنازعة، شريطة أن يكون هناك استخدام واعٍ للغة الموضوعية والحوار البنّاء بعيدًا عن المهاترات والإسقاطات وسوء تأويل الأفكار وافتراض الخطأ من الجانب الآخر وما ينجم عن ذلك من سوء فى الفهم وضياع للحقيقة.

رابعًا: إن استمرار جسور المودة قائمة رغم اختلاف الرأى من أهم الصفات التى تشدنى شخصيًا لدى بعض الشعوب، ولقد ضربت مثلاً بالشعب السودانى الشقيق الذى يفصل تمامًا بين عوامل الاختلاف وبين مظاهر المودة والعلاقات العادية التى تسمو على كل الخلافات وترتفع عن المهاترات وتبقى دائمًا صافية لا يخبو نورها أبدًا. خامسًا: إن التركيز على جوهر المشكلة ولب الخلاف هو تعبير عن الرغبة الشديدة لدى كل الأطراف لتجسير الفجوة ورأب الصدع ولم الشمل واجتماع الكلمة فى كل وقت، وهى أمور لا تحدث إلا بتوافر حسن النية والرغبة الكاملة فى مواصلة العيش مع الآخر برغم الخلافات التى لم تصل بأصحابها إلى حد الخلاف.

سادسًا: إن العالم الذى يجرى حولنا والكوكب الذى نعيش فيه يمضيان معًا فى سياق مختلف بحكم التطور التكنولوجى الكاسح والسرعة الفائقة فى نقل الأخبار وتبادل المعلومات بما يجعل الحياة ذات إيقاع مختلف ويصنع من تلك الأخبار المتطايرة مبررًا للشكوك وسببًا لسوء التأويل وهو ما يدعو أطراف النزاع وأصحاب الرأى المختلف إلى ضرورة الوعى الكامل بالمؤثرات الجديدة التى جاء بها عالم التكنولوجيا الحديثة.

سابعًا: إن ثقافة الاختلاف إذا كانت متجذرة فى إحدى الهيئات المهمة أو المؤسسات المؤثرة فى سياسات الدولة فإنها تعفينا بشكل مباشر من التصعيد الذى قد يصل بنا إلى ميلاد خلاف حاد بعد أن كنّا أمام اختلافٍ موضوعي، ولاشك أن وفرة المعلومات لدى الطرفين يمكن أن تساعد فى توضيح الرؤية وإزالة أسباب اللبس وتصفية المشاعر من كل ما يؤدى نحو خطاب الكراهية. .. إننى إذ أكتب اليوم عن ثقافة الاختلاف فإنما أعيد إلى الأذهان ما رددناه عشرات المرات من قبل من ضرورة الارتقاء بلغة الاختلاف إلى مستواها الذى يسمو بها عن السقوط فى مستنقع الخلاف، ولن يتحقق ذلك الأمر إلا بالعودة إلى التقاليد الأصيلة فى الحضارات المختلفة التى تناولت آداب الحوار وأنماط النقاش بدءًا من المجالس النيابية الأولى فى الحضارات الكبرى وصولاً إلى المؤسسات العلمية والكيانات الأكاديمية التى ترعى تلك التقاليد وتحافظ عليها، وذلك تأكيدًا فى النهاية لمقولة الإمام الشافعى وعبارة فولتير الشهيرة اللتين تدعمان هذا النسق من التفكير العصرى.