تأميم الطغيان! إبراهيم نصر الله

كتاب و أراء
49
0

حظيت أرضنا العربية بثلاث ديانات سماوية، لكنها تبدو اليوم واحدة من بين أكثر مناطق الأرض قدرة على سحق التسامح والمتسامحين، والمختلف، سواء على مستوى الدين، أو العرق، أو اللون أو الجنس. لا أتحدث عن أنظمة تبدو مضطرة، ولو شكلا، بالتزام المعاهدات الدُّولية التي وقّعتها، بل أتحدث أيضًا عن الشعوب.
أعاد طرح هذه القضية عليّ، فيلم (محبس) اللبناني، السوري، وهو واحد من أهم الأفلام العربية التي أنتجت مؤخرًا، وأتيح لي أن أشاهده على متن الطائرة، في الجو، بعد أن عزّ علي العثور عليه على الأرض، ربما كما يعزّ علينا العثور على التسامح فوقها!
لعل أجمل ما في الفيلم أنه يقدّم عائلتين من مستوى اقتصادي، اجتماعي، تعليمي، واحد، وبالتالي يعفينا من الأسس التي قامت عليها أفلام عربية، تناولت، المرأة الفقيرة، والحبيب الغني، أو العكس؛ فهنا، في هذا الفيلم، المواصفات كلها مثالية في الشاب السوري القادم لخِطبة الشابة اللبنانية، عِلْما ووسامة ومستوى اقتصاديا، لكن المشكلة في أنه سوري، وهذه هي عقدة الفيلم، ومعضلة أبطاله، في طريقهم لتحقيق حلم الشابين، أو إفساده.
لا أريد أن أحلل الفيلم، ولكنني أنظر إليه نموذجا لحالات كثيرة جدًا، بل معضلة مستشرية في عالمنا العربي، الذي تُرفع فيه أوضح شعارات الأخوة والتسامح، ويطبّق فيه كل ما هو عكسها، لا على المستوى الفردي وحسب، بل على مستوى التعامل مع شعوب بأكملها بفوقية، تصل إلى حدود العنصرية.
نتذكر تلك الحملة على مصر كلها، بعد اتفاقية كامب ديفيد، حيث تمّ خلط النظام بالشعب، وأصبحنا مقاطعين لمصر، وأصبحت المشاركة في أي نشاط ثقافي يقام فيها، شكلا من أشكال التطبيع والمباركة لكامب ديفيد! وعانى المواطن المصري، الذي يقف ضدَّ تلك الاتفاقية، كما عانى من هو معها، إلى أن صرخ كثير من كتّاب مصر: أنتم تقاطعوننا، تقاطعون قراءكم، مصر، هي مصر.
وإذا كان الدافع لمقاطعة مصر وشعبها، سياسيا بالدرجة الأولى، فإن هذه النظرة باتت جزءا متعلقا بالشعب الفلسطيني أيضا، وكأنه هو الذي وقّع اتفاقية أوسلو، فتراجع التعاطف معه، ليتم التخفّف من عبء قضيته، وبقيت صورة أوسلو، في وقت يوقّع فيه هذا الشعب بدم شهدائه وجرحاه وتوق أسراه للحرية كل يوم، وثيقة فلسطين الحرّة الكاملة التي لا تقبل القسمة على أصحابها وعدوّهم.
وعلى مستوى أكبر، اختُصرت شعوب أخرى في النفط، وأخرى باللهو، وأخرى بالتّسلط، وأخرى بالخنوع، وأخرى بالكسل، وأخرى بالبلادة، وأخرى بقدرتها على تصدير تقنيات القمع! ودائما هناك تجاهل غريب يمحو جوهر أن هذه الشعوب التي تشقى لتأكل، وتشقى للوصول إلى الكتاب، وتدفع أثمانا باهظة لكي تبلغ بعض حريتها، لأنها تعيش دون مستوى الحرية.
لعنة الاختزال هذه هي أفقر الأفكار وأشدّها بؤسا وجهلا في التعامل مع الآخر، الذي هو النفس هنا، لأنها نمط من أنماط العقاب الجماعي، والقتل على الهُوية، والإبادة المعنوية، وتجريد الآخرين من أحاسيسهم الإنسانية وحرمانهم من أحلامهم وإنكار وعيهم وشجاعتهم وتصميمهم على أن يكونوا أجمل مِن الواقع الذي يرزحون تحته.
هذه العنصرية التي تشبه أسلحة الدمار الشامل، على المستوى الإنساني والمعنوي، دائما ترتد، إلى أصحابها، فالقاتل، أو الطاغية الذي يمارس القتل والطغيان، لا يستطيع أن يخلع هاتين الصفتين، أمام باب منزله، كما يخلع حذاءه، هذا إن خلعه، لأنه معتاد أن لا يخلعه، بسبب معرفته أنه بحاجة لاستخدامه في كل لحظة!
لم نزل نعاني من عنصرية تُجاه كل ضعيف، سواء كان ضعفه معنويا، أو اجتماعيا، أو ناتجا عن فقدانه وطنه. وكأن ضعف إنسان ما هو رخصة لسحقه، وقوته، هي سلّم، أو باب نجاته.
ولنا أن نتأمل أيضا حجم العنصرية التي باتت توجّه سلوكنا في تعاملنا مع كل تلك الشعوب الفقيرة التي تضطرها أحوالها للعمل لدينا في أقسى الظروف، وعدم قدرتنا على أن نرى في هؤلاء البشر حكايات كبرى قائمة على الشجاعة والتضحية لتحقيق الحدود الدنيا من شروط الحياة الكريمة لأبنائهم وأمهاتهم وأزواجهم؛ وفي وقت قد يكتب فيه أحد الكتاب، في أوطانهم، ملحمة إنسانية عنهم، أو يكتبونها هم، يتمّ التعامل معهم على مستوى العقل الجمعي، أناسا دون المستوى، يرضون القبول بكل الشقاء الذي نسببه لهم من أجل حفنة من الدولارات! هم الذين يقدمون أجمل سنوات حياتهم مقابل ذلك، كي لا يكون أبناؤهم مثلهم مستقبلا، أرقّاء لهبوطنا الإنساني.
نحن بحاجة لكثير من التواضع، بل الكثير جدا من التواضع، لأننا لم نقدم على المستوى العام، أشياء أساسية في هذا النهوض البشري العالمي الكاسح، باستثناء بعض ما يقدمه أفراد.
وبالعودة إلى فيلم (محبس)، وهو فيلم واقعي إلى أقصى الحدود، يتبين للمرء أننا بتنا نُعلي أنفسنا، لا فوق الضعيف المختلف فحسب، بل ضد الجميل المختلف أيضا، الشبيه لنا في ظروفه وعلمه ووعيه ووسامته، فقط لأنه مختلف، فقط لأن حياته باتت مهتزّة.
ليس غرض هذا المقال التعميم، لا في حديثه عن الفيلم، ولا عمّا هو أوسع منه، لأنني ضد التعميم بكل أشكاله، ولكن أشير إلى ظاهرة، لا يمكن أيضا التعامل معها كشيء عابر.
وبعد:
زرقاءُ أو خضراءُ أو ترابية
ذهبيةٌ أو فضيةٌ
بيضاءُ أو سوداء
لا فرق
أجنـحةٌ .. وتستطيعُ التّحليق