ضرائب عثمانية والأردنيون يستحقون الثناء لا التهديد

كتاب و أراء
27
0

اهم ما في الموروث الشعبي عن العهد العثماني هو الحديث عن الضرائب ، وفيه ان يقوم احد المتنفذين في ذلك العهد  بدفع مبلغ سنوي معين لخزينة الوالي في دمشق مقابل ان تترك له ، مهمة جبي  الضرائب المادية والعينية من منطقة معينة ، حيث يحرص هذا الجابي على تحصيل عشرة أضعاف ما دفع  . . اليوم وما نحن فيه من عاصفة الغلاء والضرائب لا نحب ولا نريد ان تتحول الحكومة الى جابي لصالح صندوق النقد الدولي .

        ما يدفعني ، آسفاً ، الى هذه المقاربة تلك اللهجة التهديدية التي وجهها ممثلي الحكومة لما أسموه  بالمتهربين  ضريبياً  ، التي تتضمن السجن لمدد طويلة . فالأردنيون ، بجميع طبقاتهم ، من حيث الدخل ومستوى المعيشة ، لا يستحقون لغة التهديد خاصة في مسألة الضريبة ، من يستحق التهديد بالسجن هم الفاسدون الذين أثروا من استغلال مناصبهم العامة ، وهم الذين لم يكونوا من أهل تجارة ولا زراعة ، لكنهم كانوا اصحاب مواقع وقرارات ، تحولوا فيها من موظفين الى اصحاب قصور وأرصدة بالملايين وشركات واموال في داخل البلد وخارجه .

  واعود الى موضوع الضريبة وما تثير من أسئلة وشجون وأتقدم بالملاحظات التالية :

      –  التعميم بالقول ان ٩٥ ٪‏ من الاردنيين لا يدفعون الضريبة غير صحيح  ، قد يكون هذا، اذا كان الامر يتعلق بضريبة الدخل ( وهذه النسبة تشير الى تدني الدخول للاغلبية العظمى من الشريحة الخاضعة لهذه الضريبة وليس الى وجود إعفاءات غرضها تحسين الدخل  ) . و هذاغير صحيح أبداً وبشكل مجحف لو وضع تحت بند مجموع الضرائب والرسوم التي يدفعها الأردني من دخله في حياته المعيشية والعملية . فهو يدفع ١٦٪‏ ضريبة مبيعات على أكله وشربه وملبسه وأواني طبخه وبنزين سيارته ومواقد التدفئة الخ . ضرائب هي من اعلى النسب في العالم ، وهو يدفع مهراً للحكومة ان اراد الزواج ، وبأكثر  من ما يدفع لعروسته، من ثمن اثاث منزله الجديد يدفع  للحكومة  ١٦٪‏ ضريبة مبيعات ، كذلك عند شرائه لشبكة الذهب  ، وإن أقام حفلة غداء للحكومة حصتها ،  بينما معظم العرائس من الأردنيات مهرهن ليرة ذهب !. هناك في جدول ضرائب الاردنيين ضريبة مسقفات  وضريبة معارف ورخص وترخيص وضرائب بقوانين على كل أصناف الوقود . فمن الظلم ان يلخص الامر بضريبة الدخل لكي يقال بان ٩٥٪‏ من الاردنيين لا يدفعون ضرائب ، الاردنيون اول شعب في المنطقة العربية طبقت عليه ضريبة الدخل بشكل مؤسسي  ، وهم أكثر شعب في الشرق الأوسط يدفع ضرائب بالقياس  لدخولهم وتكاليف معيشتهم . هم إذن  يستحقون الثناء لا التلويح بالسجن والويل والثبور !!.

       – من هذا المنطلق هناك تهويل في مسألة المتهربين ، لان من يجني اموالا من التهرب من ضريبة الدخل سيقع في الدوائر الضريبية الاخرى ، دخله العالي يرفع من مستوى إنفاقه الذي سيتحول  الى ضرائب عالية ، يدفع اكثر عندما يشتري أرضاً او يبني قصراً او يقتني سيارة بمئة الف وأكثر او او او الخ .. في هذا البلد ،ما فيه حدا عايش بدون ضرائب ورسوم وجمارك وضريبة سفر ورسوم جوازات الخ .  مشكلة المتهربين ناجمة ( بنسبة اكبر ) عن قصور في آلية التحصيل الضريبي وكشف الدخول الحقيقية بدون نقص وزيادة ، هذه الالية تحتاج الى إصلاح ، وأول هذا الامر تطبيق قانون ” من أين لك هذا ” الذي بدونه سيظل الفاسدون  بمنئ عن كل عقاب .

    – ادخال السجن الطويل كعقوبة في ضريبة الدخل محاولة غير عادلة بمقارنة اوضاع الأردني بأوضاع المواطنين في أمريكا حيث تطبق مثل هذه العقوبة على المتهربين .. هناك في أمريكا لا تُغير القوانين كل موسم ،  وقد يدفع الامريكي نصف دخله ضرائب لكن مقابل خدمات والتزمات من الحكومة نحوه عند البطالة والمرض  والشيخوخة ، ومقابل قائمة طويلة من الخدمات الحكومية  . في بلدنا اصبح هدف الضريبة سداد مديونية وتسهيل الاستدانة من جديد . بالاضافة ، ان الحكومة الامريكية تلاحق المتهربين الذين يهربون ارصدتهم وحساباتهم البنكية ،تهربا من الضرائب  ، الى بنوك  سويسرا وغيرها ، خاصة بعد كشف أوراق بنما السرية  ، حيث اجبرت عددا من البنوك في بلدان مختلفه على كشف ارصدة المتهربين الأمريكيين السرية . … في بلدنا ، حكومتنا غير قادرة على جلب محكوم بمئات الملايين واستردادها  ، أموال تكفي الحكومة من شر مطالب الصندوق الدولي بفرض ضرائب جديدة في العام المقبل ، مطالب تقف خلف ( موجبات ) قانون الضريبة الجديد  .

     – وأخيراً وليس آخراً : اتعجب من هذا الإصرار على تحميل المواطنين المهمة الثقيلة في مواجهة المديونية والفشل في النمو وفِي الاقتصاد طوال السنوات الماضية . والعجب اكبر وانت ترى ان العديد ممن وقفوا خلف تلك السياسات الكارثية التي ( شلحت ) الاقتصاد الوطني من امكانياته وأرصدته الاستراتيجية في مغامرات المشاريع الاستثمارية الفاشلة وسياسة تضخيم الدين ان تراهم هم أنفسهم من يواصلون إدارة الدفة وبهذه الطريقة . في بلاد العالم التي فيها رائحة من الديموقراطية تجبر الحكومات المسؤولة عن الفشل على الاستقالة وتجرى انتخابات جديدة تقود لحكومة ببرنامج إنقاذي يختاره الشعب ، نعرف ان هذا غير واقعي في ظل الحال السياسي ، لكن نستغرب هذا الإصرار على حصر المشكلة بالمال والاقتصاد والضرائب وان يتم تجاهل حقيقة ان الواقع الاقتصادي والمالي السئ يتطلب تغييرات سياسية شاملة ، تغييرات اصلاحية يشارك بها الشعب ويرضى عنها ، عندئذ سيثبت الاردنيون (بأنهم جمل المحامل ) وسيتوقفوا عن التذمر والنقد ، فالفصل بين الإصلاح السياسي الحقيقي ( على الأقل وفق الأوراق الملكية النقاشية ) وبين الإصلاح المالي هو فصل تعسفي يجعل ضرائب الحكومة وكأنها ضرائب عثمانية تحصل تحت سوط الخوف والتخويف والتهديد .

  ملاحظة : قانون الضريبة الجديد يوسع قاعدة المتذمرين لانه سيمس أهل العاصمة والمدن وأهل القطاع الخاص بصناعته وتجارته ومهنه ، الضرائب السابقة على السلع ورفع الدعم حصرت التذمر في المحافظات ، التذمر ستتسع دوائره  بهذا القانون  لأول مرة منذ سنوات طويلة ، من هنا ، يأ اهل الحل والربط ، اجعلوا للبعد السياسي والاجتماعي مكاناً عند التوجه للناس حتى لا تزداد الهوة بينهم وبينكم .