اليونسكو تطلق الاحتفال بالسنة الدولية للغات السكان الأصليين

عالم
9
0

اطلقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ” اليونسكو” الاحتفال بالسنة الدولية للغات السكان الأصليين لعام 2019، وذلك تحت شعار ” لغات السكان الأصليين لأغراض التنمية المستدامة وبناء السلام والمصالحة “، حيث تضطلع اللغات بدور بالغ الأهمية في الحياة اليومية لجميع الشعوب .

كما تضطلع اللغات بدور محوري في مجالات حماية حقوق الإنسان وبناء السلام والتنمية المستدامة من خلال ضمان التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات .

ومع ذلك ، لا تزل اللغات في جميع أنحاء العالم على الرغم من قيمتها الثمينة تندثر بسرعة تنذر بالخطر، وكثير من تلك اللغات هي من لغات الشعوب الأصلية. ولغات الشعوب الأصلية هي على وجه التخصيص من العوامل المهمة في طائفة واسعة من قضايا الشعوب الأصلية مثل التعليم والتنمية التكنولوجية والعلمية والمحيط الحيوي وحرية التعبير والعمل والإدماج الاجتماعي.

كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أعلنت بموجب الوثيقة 71/178، عام 2019 سنة دولية للغات الشعوب الأصلية ، وذلك في خطوة منها لرفع مستوى الوعي العالمي بالمخاطر الجسيمة التي تهدد لغات الشعوب الأصلية ، وأهمية هذه اللغات لضمان التنمية المستدامة ، والمصالحة والحكم الرشيد وبناء السلام . وستساهم هذه السنة الدولية في تيسير الوصول إلى لغات الشعوب الأصلية والترويج لها ، ناهيك عن تحقيق تحسن ملموس في حياة هذه الشعوب من خلال تعزيز قدرات أبناء هذه اللغات والمنظمات المعنية بالشعوب الأصلية.

وتشير تقارير اليونسكو ، إلي أن عدد السكان الأصليين في العالم يقدر بنحو 370 مليون نسمة يعيشون في 90 بلداً. وهذا العدد أقل من 5 % من سكان العالم ولكنه يشكل 15 % من أفقر السكان. وهم يتحدثون بأغلب لغات العالم المقدرة ب 7 آلاف لغة ويمثلون5 آلاف ثقافة مختلفة. وتعتبر الشعوب الأصلية ورثة وممارسين لثقافات فريدة وطرق تتصل بالناس والبيئة. وقد احتفظوا بخصائص اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية تختلف عن خصائص المجتمعات السائدة التي يعيشون فيها.

وعلى الرغم من الاختلافات الثقافية ، فإن الشعوب الأصلية من جميع أنحاء العالم تشترك في مشاكل مشتركة تتعلق بحماية حقوقها كشعوب متميزة. وقد سعت الشعوب الأصلية إلى الحصول علي الاعتراف بهوياتها وطريقة حياتها وحقها في الأراضي والأقاليم والموارد الطبيعية التقليدية لسنوات ، ولكن عبر التاريخ فإن حقوقهم تنتهك دائماً. ويمكن القول أن الشعوب الأصلية اليوم من بين أشد الفئات حرماناً وضعفاً في العالم ، ويدرك المجتمع الدولي الآن أنه يلزم اتخاذ تدابير خاصة لحماية حقوقهم والحفاظ على ثقافاتهم وطريقة حياتهم المتميزة.

ورغم الاعتقاد السائد بأن الشعوب الأصلية تعيش غالباً في المناطق الريفية ، فالحقيقة أن كثيراً من المناطق الحضرية ، هي كذلك مواطن لطائفة واسعة من السكان الأصليين. ففي أمريكا اللاتينية ، يعيش ما يقرب من 40% من مجمل سكان الشعوب الأصلية في المناطق الحضرية ، وتزيد تلك النسبة إلى 80 % في بعض بلدان الإقليم. ويواجه المهاجرون والمهاجرات من الشعوب الأصلية طائفة كبيرة من التحديات، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى الخدمات العامة ، وبعضاً من الممارسات التمييزية. وتعتبر لغات الشعوب الأصلية على وجه التخصيص، من العوامل المهمة في طائفة واسعة من قضايا الشعوب الأصلية مثل: التعليم ، والتنمية التكنولوجية والعلمية، والمحيط الحيوي، وحرية التعبير، والعمل، والإدماج الاجتماعي.

في هذا السياق ، كشفت الطبعة الجديدة من أطلس لغات العالم المهددة بالاندثار الصادر عن منظمة اليونسكو – حيث يقدم هذا البرنامج الرقمي التفاعلي بيانات تم تحديثها – عن أن نحو 2500 لغة مهددة بالاندثار حول العالم ويمكن في ما بعد استكمالها أو تصحيحها أو تحديثها بشكل مستمر بفضل مساعي المستخدمين. ويسمح الأطلس بالبحث حسب معايير عديدة ومتفرقة وبتصنيف حيوية اللغات المهددة بالاندثار على خمسة مستويات مختلفة هي: اللغات الهشة ؛ اللغات المعرضة للخطر؛ اللغات المعرضة لخطر كبير؛ اللغات المحتضرة؛ اللغات الميتة منذ العام 1950.

وتثير بعض هذه البيانات القلق بشكل خاص، فمن أصل 6000 لغة متداولة في العالم، انقرضت نحو 200 لغة على مدى الأجيال الثلاثة الأخيرة في حين تعتبر 573 لغة أخرى من اللغات المحتضرة ؛ و502 لغة من اللغات المعرضة للخطر الشديد ؛ و632 لغة من اللغات المعرضة للخطر؛ و607 لغات من اللغات الهشة. فعلى سبيل المثال، يذكر الأطلس، أن هناك 199 لغة ينطق بها أقل من 10 أشخاص في العالم ؛ و178 لغة أخرى ينطق بها ما بين 10 و50 شخصا. ويذكر الأطلس من بين اللغات التي انقرضت منذ فترة وجيزة لغة آساكس في تنزانيا التي اندثرت عام 1976؛ ولغة أوبيخ في تركيا التي انطفأت مع رحيل توفيق إسينش عام 1992؛ ولغة إياك في ألاسكا التي ماتت عام 2008 مع موت ماري سميث جونز.
وينبه الأطلس إلى أن الهند والولايات المتحدة والبرازيل واندونيسيا والمكسيك، وهي بلدان تعرف بتعددها اللغوي، هي أكثر البلدان التي تضم لغات معرضة للخطر.

وحسب الأطلس ، فإن قارة أفريقيا تعد حاضنة لأكبر نسبة من الشعوب الأصلية حيث تضم 50 مليون شخص، ومن بين 6 آلاف لغة في العالم، تحتوي إفريقيا على ثلث لغات العالم، 80 % منها لا تملك صياغة كتابية محددة، وهذا بالمقارنة مع أوروبا التي تملك ثمن سكان العالم وتضم نحو 300 لغة فقط .

وتنقسم اللغات الإفريقية إلى 1436 لغة إلى أسرن نيجر كونغو؛ و371 أفروآسيوية؛ لغة نيل صحراوية ؛ و35 لغة خويسان في جنوب القارة. كما توجد تجمعات كبيرة منهم في شمال أفريقيا، حيث يعيش الأمازيغ أو البربر، إضافة إلى آخرين في النيجر ومالي وبوركينا فاسو والكاميرون في غرب قارة أفريقيا، وفي شرق أفريقيا يوجد سكان رعويون في إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا، فضلا عن أخرين في جنوب أفريقيا.

وذكر الأطلس مثال دولة الكاميرون، التي تعد واحدة من أكثر الدول تنوعا لغوياً في العالم . فيوجد بها حوالي 300 لغة يتحدث بها ما يقرب من20 مليون شخص. وتشمل هذه اللغات الاستعمارية مثل الإنجليزية والفرنسية، فضلًا عن مئات اللغات المحلية المتمركزة في الجنوب، ففي مساحة حوالي 100 كيلومتر مربع تقريباً حجم مدينة باريس، يتحدث 12 ألف شخص 9 لغات محلية .

وفي دراسة استقصائية أجراها أنجياشي إيسن أغوارا، أحد المتعاونين الكاميرونيين، ثبت فيها أنه لا توجد لغة أحادية في الجنوب للتفاهم، فيمكن للشخص البالغ أن يتكلم أو يفهم ما بين 5 إلى 6 لغات مختلفة. ويتم تعلم معظمهم دون أي تعليم رسمي ويتم اكتسابهم من خلال العلاقات الأسرية أو الصداقات أو العمل.

وقد أشارت مجموعة العمل الدولية حول شؤون السكان الأصليين، إلي أن بعض الدول الأفريقية لا يزال يتعين عليها الاعتراف بهم، وأن سياسات هذ الدول لا تزال تحدد على أساس حجج تقول إن جميع الأفارقة هم سكان أصليون، وإن مفهوم الشعوب الأصلية غير دستوري ويثير انقسامات.

وأضافت مجموعة العمل الدولية ، أن عمليات استيلاء واسعة على أراضيهم، لا تزال تشكل تحدياً كبيراً في عدة بلدان إفريقية، وأن المشاريع العالمية لاستخراج المواد الخام، والزراعة على نطاق صناعي واسع، وتنفيذ مشاريع بنى تحتية ضخمة، يدفعهم إلى حدودهم الأخيرة. وأكدت أن ذلك أدى في حالات متعددة إلى توترات ومقتل أشخاص عده، وأنهم مهمشون سياسيا واقتصاديا في القارة السمراء. كما وجهت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، نداءات عاجلة إلى عدد من الحكومات الإفريقية، حول انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان يتعرض لها سكان أصليون.

ويرجح العلماء هذا الغنى اللغوي بالتنوع الجيني والعرقي في البلاد، الذي يعود إلى نظرية ” الخروج من إفريقيا” التي تقول بإن الإنسان الحديث ظهر في إفريقيا قبل 100 ألف عام وانطلق منها مهاجراً، وهذه الأصول أدت إلى إحداث تنوع جيني عال في القارة وحفزت أنواع أخرى للظهور.
وإضافة إلى ، اعتماد الكثير من الملوك الأفارقة القدامى على المترجمين من مختلف المناطق التي حكموها؛ ما ساعد في ازدهار لغات مختلفة فيها، وهذا بالعكس من الامبراطوريات الأوروبية التي كانت تفرض لغتها الأجنبية على مستعمراتها. لكن هذا العدد الهائل من اللغات والتنوع اللغوي اختفى منه الكثير، ومن المرجح جداً أن يختفي ما لا يقل عن 10 % مما تبقى خلال القرن القادم ، إلا أن دولة بابوا غينيا الجديدة مثلاً، التي تضم أكبر تنوع لغوي في العالم بامتلاكها على أكثر من 800 لغة متداولة تعتبر بين أقل الدول احتواء على اللغات المهددة، إضافة إلى غانا التي أضافت لغتها المحلية بالجانب إلى اللغة الإنجليزية لتعليم الأطفال في المدارس مع الحفاظ على ثقافتهم، ومع ذلك، فهناك نحو 50 لغة تواجه الخطر في الجنوب.

وقد واجهت إفريقيا على مدى العقود الماضية عدواناً أوروبياً واسعاً من بريطانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا، وجاء على صورة ضغوط دبلوماسية وحركات استعمارية وتدخلات سياسية وانتهاكات اجتماعية ابتلعت كنوز أرضها وحقوق مواطنيها بوحشية ، فغيرت من حاضر البلاد وتحكمت بمستقبلها، فلقد عرفت هذه الدول الاستعمارية بحيلها وأساليبها التي تزيدها نفوذاً وهيمنة.

وخلقت الدول الاستعمارية في إفريقياً إحساساً مشوهاً بين الأفارقة وهويتهم وتاريخهم الثقافي. فمنذ فترة الاستعمار، بدأت الكلمات والمفردات الإفريقية بالاختفاء، حيث قل استخدامها وتداولها في المدارس والمنازل والشوارع، وأصبحت لغة المستعمر هي اللغة الرسمية في البلاد، وما بقي من اللغات المحلية أصبح غير واضح المعنى أو مهدد بخطر الانقراض أو محصور في دائرة معينة، وهذا ما قلل من أهمية اللغة الأم .

وقد وصلت اللغات الأوروبية إلى إفريقيا كوسيلة للتواصل والترجمة ، ومع الأطماع السياسية والاقتصادية ، تداخلت الألفاظ الأجنبية مع اللهجات المحلية ، وتسارع اختفاء الكلمات الإفريقية مع السياسات اللغوية الرسمية التي اعتمدتها الدول في نظامها التعليمي ، إلى جانب تأثير الأفكار الاجتماعية التي نشرتها القوى الاستعمارية بين الشعوب الإفريقية. كما روجت الدول الاستعمارية إلى أن العادات واللغات الإفريقية هوية الشعوب الهمجية المتخلفة ، وأن استخدام اللغات الأجنبية وإهمال هذه التقاليد القديمة يعني الانضمام إلى الجزء المتقدم من العالم والانتماء إلى حضارة جديدة ، وهذه الدعايات السياسية أفقدت الإفريقي هويته وتاريخه وعواطفه الوطنية ، وقللت من قيمته الثقافية وعززت الوجود الأجنبي والتمدد الأوروبي حتى يسعى الإفريقي للحصول على اهتمام المستعمرين وامتيازاتهم ويصبح منهم .

فعلي سبيل المثال ، اعتادت البرتغال على مكافأة الإفريقي الذي وصل إلى مستو معين من اللغة والمعرفة ، وكان البلجيكيون يقومون بتسمية مستعمريهم من البانتو في الكونغو بالمتطورين أي الذين تطوروا من الوحشية إلى التمدن والتحضر بفضلهم ، إضافة إلى الإنجليز الذين دعوا الأفارقة إلى التفكير بالعقلية الإنجليزية المرنة لتحقيق التنمية الإفريقية .

وفي الخمسينيات من القرن الماضي ، أطلق عدد من المحطات الإذاعية باللغات الأوروبية مثل البرتغالية والإنجليزية والفرنسية في الدول الإفريقية ، واهتمت فرنسا بشكل خاص بالجرائد والمجلات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية لنشر لغتها على أوسع نطاق والتضييق على اللغات المحلية الأخرى.

وفي ظل هذه التراكمات السياسية ، دمجت اللغات الأجنبية وأهمها الإنجليزية والفرنسية داخل المناهج التعليمية في المدارس الإفريقية ، فحتى بعد استقلال بعضها من الاستعمار إلا أنها لم تنجح في النجاة من قيود اللغة الأجنبية مثل أوغندا التي اعتمدت نظام التعليم البريطاني واللغة الإنجليزي كلغة رسمية في شرق أفريقيا، في حين أن هناك أكثر من 60 لغة محلية أخرى .

والبعض الآخر من الدول الإفريقية توجه إلى سياسة اللغات الثنائية ، والتي تجمع بين لغة أم أو محلية ولغة أجنبية ، مثل تنزانيا وكينيا اللتين اتخذتا اللغة السواحيلية والإنجليزية كلغتين رسميتين في البلاد ، أما نيجريا فاعتمدت اللغة الفرنسية والإنجليزية ضمن سياستها الرسمية ، وهذا النظام لم يترك المجال للغات المحلية بالازدهار، وهذا ما يثير التساؤل حول مدى وعي واهتمام الحكومات المحلية باتباع سياسات لغوية تدعم من وجودها اللغوي في وسط هذه الفوضى الثقافية والمعرفية.

وفي محاولة الحكومات المحافظة علي لغات السكان الأصليين ، فقد أعلنت الحكومة الكندية عن تخصيص غلاف مالي قيمته 2.3 مليون دولار على مدى عامين للحفاظ على لغات السكان الأصليين وترقيتها وتنشيطها في مقاطعة سسكتشوان الواقعة في الوسط الغربي لكندا. وقد أشار “بوبي كامرون” رئيس اتحاد أمم الشعوب الاصلية ذات السيادة في سسكتشوان ، إلي أن هذا إعلان عظيم وإن اللغة جزء من هويتنا.

وهو يرى أن هذا التمويل سيجلب الأمل للأمم الأوائل ، وذكر أن اللغة هي حق أساسي من حقوق الشعوب الأصلية. وأضاف كامرون، أن كون بعض البرامج التعليمية موجه للشباب فهذا يعتبر طريقة جيدة لضمان الحفاظ على لغات السكان الأصليين لأن الأطفال هم كالإسفنج عال حسب تعبيره.

في سياق متصل ، يقول “بابلو رودريغيز” وزير التراث الكندي والتعددية الثقافية ، إن لغات السكان الأصليين تلعب دوراً حيوياً في تمكين الأجيال الشابة من إعادة التواصل مع تاريخها وثقافتها ومجتمعها. وأضاف رودريغيز ، إلى أن هذه القضية تعد أولوية بالنسبة للحكومة الكندية، التي تستعد لتقديم مشروع قانون حول لغات السكان الأصليين في الدورة البرلمانية القادمة.

وللتذكير فإن أكثر من ثلثي لغات السكان الأصليين في كندا معرضة للانقراض، حسب معايير اليونسكو. وفقا لإحصاء أجرته الوكالة الكندية للاحصاء في عام 2016، هناك أكثر من 70 لغة للسكان الأصليين في كندا.

وأفاد 207٫755 من السكان الأصليين أنهم قادرون على إجراء محادثة بلغة السكان الأصليين، وهو ما يمثل 21.3% من سكان الأمم الأولى في كندا.

المصدر : أ ش أ