اليهـــوديــة والأفتراضــات البحثيــة للعلوم الاجتماعية

كتاب و أراء
24
0

بقلــــم د. طـــارق رضـــوان

لا شك أن هناك الكثير من الحق فيما يقوله المفكر العربى الاسلامى الأستاذ الدكتورعبد الوهاب المسيري ( وهو صاحب مؤلفات فلسفية وسياسية ودراسات أدبية وحضارية كثيرة)، لكنه حق ملتبس بباطل مكسو بعبارات مستحسنة، فيها من حلو الفصاحة والعبارات الدقيقة ما يسرع إلى قبوله كل من ليس له بصيرة نافذة.
اعتبر “المفكر العربي” نفسه مجتهداً، وأن ما يقوله يدخل في دائرة الاجتهاد، في حين أن أبسط قواعد الاجتهاد تقول: “لا تجد مجتهداً يثبت لنفسه قولين معاً، وإنما يثبت لنفسه قولاً واحداً، وينفي ما عداه” وهذا ما لم يتبعه”المفكر العربي” في تحليلاته فهو يبرئ اليهود من تهم أثبتها عليهم في الوقت ذاته.

وعن الشخصية اليهودية في الروايات العالمية: انتقد “المفكر العربي” بشدة أدبيات معاداة اليهود في “الأدب الغربي”، وتصويرها لهم على أنهم شياطين. الشر لصيق بطبيعتهم، يخربون أي مجتمع يعيشون في كنفه، ويحيكون المؤامرات عبر التاريخ للقضاء على الجنس البشري.

تناول “المفكر العربي” أهم شخصيات “أدب شكسبير” في مسرحية (تاجر البندقية)، وهي شخصية “شيلوك” اليهودي الذي يعمل بالربا والتي أصبحت جزءاً من المعجم الإنجليزي، وتعني الرجل الطماع الشره الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه.
دافع “المفكر العربي” عن اليهودي، وقال: إنه لا يعرف على وجه الدقة أصل هذا الاسم – شيلوك -؛ فهو ليس اسماً يهودياً، كما انتقد “المفكر العربي” موقف الأديب الروسي “دوستوفيسكي” من اليهود؛ الذي كان يرى فيهم شعباً تحركه القسوة والرغبة في شرب الدماء، كل همهم إفساد الشعب واستغلاله بلا رحمة.
أما “هربرت صاموئيل” الذي صنفه اليهود على أنه أول حاكم يهودي على فلسطين منذ سقوط الهيكل، والذى ساعد النشاط الاستيطاني اليهودي، واعترف باللغة العبرية، وزاد عدد المستوطنات في عهده من أربع وأربعين إلى مائة مستوطنة. ورغم كل هذا نجد المفكر العربى عاد ينكر أن كل ما فعله صموئيل كان دافعه يهوديته؛ فيقول: “وصموئيل نموذج جيد للصهيوني غير اليهودي الذي لا تختلف رؤيته لليهود عن رؤية أي عضو في الحضارة الغربية؛ فهو لا يهتم بالعرقية اليهودية ولا بالمصالح اليهودية، ولا بالتاريخ اليهودي، ولا بالعقيدة اليهودية؛ إنه يهودي مندمج تماماً، يود الحفاظ على وضعه.
دافع “المفكر العربي” عن “كيسنجر” قائلاً: أن ما يحدد موقف كيسنجر من إسرائيل ليس يهوديته، أو رغبته في الدفاع عن المصالح اليهودية، أو حماية الدولة اليهودية وإنما حرصه على أن تكون إسرائيل حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، وسوطاً رادعاً في يدها
الكثير من المسلَّمات اللصيقة باليهود على امتداد الزمان والمكان حولها الدكتور المسيري ليس إلى مجرد افتراضات فقط، ولكن إلى افتراضات تنم في رأيه عن فهم قاصر اختزالي وساذج يعمل على بث الرعب والهزيمة في نفوسنا، وأنه لا يجوز لمسلم – حسب رأيه – أن يوجه الاتهام إلى أي إنسان دون قرائن، كما لا يمكن لأي رؤية دينية حقة أن تحكم على اليهود باعتبارهم تجسيداً لفكرة، وأن الإسلام عرف حقوق أعضاء الأقليات، فحدد لهم أن لهم ما لنا وأن عليهم ما علينا، ومن ثم فإن حقوق اليهود مطلقة لا يمكن التهاون فيها.
فعلى سبيل المثال: افتراض أن لليهود يداً خفية توجد في كل مكان، وأنهم أفعى خيالية ميتافيزيقية لا يمسَك بها كالشيطان.وافتراض أن هناك مؤامرة يهودية عالمية تسعى إلى السيطرة على العالم بعد إفساده وتخريبه، وافتراض أن من خصائص اليهود الشر، والمكر، والرغبة في التدمير، وأن هذه الخصائص فطرت في عقولهم، وهي مكون أساسي وثابت في طبيعتهم، وأن سلوكهم إنما هو تعبير عن مخطط جبار، وضعه العقل اليهودي الذي يخطط ويدبر منذ بداية التاريخ.

وافتراض أن اليهود وراء أشكال الانحلال المعروفة والعلنية والخفية في العالم العربي والغربي، بل في كل أرجاء العالم، وأنهم وراء (المحافل الماسونية) التي أسسوها لمؤامراتهم، وأنهم وراء (البهائية) التي تسعى لإفساد ألإسلام وكل العقائد….
كل هذه الافتراضات وغيرها في نظر المسيري متحيزة تؤدي إلى نتائج مضللة، ولا تصدر إلا من ذات مهزومة أدمنت الهزيمة إدماناً كاملاً، واستسلمت لها بعد أن قَبِلت الآخَر وخضعت له، وهي أيضاً دعوة مقنَّعة للإستسلام، جعلت من يروجون لها جنداً يخدمون العدو بنزاهة موضوعية، يتصرفون بأمانة مضحكة دون تمحيص، كما أنها تسويغ للعجز العربي وللتخاذل أمام اليهود.وهي في نظر المسيري أيضاً افتراضات تروج لها الصهيونية العالمية الواعية، والدعاية المعادية لليهود غير الواعية، بالإضافة إلى المخابرات الإسرائيلية؛ فهي تصور اليهود على أنهم عدو لا يقهر، وأنهم قادرون على كل شيء، وأنهم ظاهرة خرافية، وأن لهم قوة عجائبية، ومن المستحيل ضربهم أو إلحاق الهزيمة بهم، وأنهم وحدة متماسكة صلبة وظاهرة واحدة، وتشكيل حضاري واحد وكلٌّ متكامل متجانس، وهذا من شأنه أن يكسب اليهود شرعية غير عادية في عالم يؤمن بالنجاح والحلول العملية.

برّأ المسيري اليهود من اتهامات “هتلر” لهم التي سجلها في كتابه (كفاحي)، والتي رأى فيها أن وراء كل أشكال المعاناة والفساد والانحراف والهزيمة التي عانتها بلاده “مخلوق وديع” أسماه بـ “الغريب ذي الشعر الأسود والأنف الطويل” كناية عن اليهود.
يرفض المسيرى اتهامات هتلر ويرى أنها محاولة من الألمان لتسويغ هزيمتهم بأنها طعنة نجلاء من الخلف قام بها اليهود المشتركون في المؤامرة اليهودية الكبرى، أو العالمية.
كما فسر “المفكر العربي” اتهام هتلر اليهود بالترويج للإباحية الجنسية والبغاء بأنه اتهام نتج عن ملاحظات هتلر لنشاط البغايا والقوادين اليهود في فيينا بشكل مكثف، وأن هذا الأمر ترك أثره على أدبيات معاداة اليهود التي وجدت في ذلك قرينة على مؤامرة اليهود في العالم ومحاولتهم إفساده . ومع ذلك يقر “المفكر العربي” بأن رئيس أول جماعة عالمية للشواذ جنسياً من الذكور هو يهودي يدعى “جينوس هيرتشفيلد” ومساعده يهودي كذلك يدعى “كورت هيلي”، وأن الأخير هو أول من طالب باعتبار الشواذ جنسياً أقلية لابد من حماية حقوقها.
وكالعادة يبرئ “مفكرنا العربي” اليهود من أي مسؤولية عن انتشار الشذوذ الجنسي؛ ويعطينا تفسيراً غريباً يصعب على أي عقل أن يقبله فيقول: إنه لا بد من الإشارة إلى أن التقبل المتزايد للشذوذ الجنسي هو إحدى سمات المجتمعات العلمانية المتقدمة، وأنه من السخف التحدث عن تاريخ يهودي مستقل أو عن مسؤولية اليهود عن البشر.

كما رفع “المفكر العربي” تهمة هتلر لليهود بالاتجار في الرقيق الأبيض، ويرى أنها وإن كانت حقيقة واقعة فهي في نظره “واقعة جزئية”، وأن تقرير الواقعة الجزئية دون ذكر الحقيقة الشاملة هو جوهر العنصرية.