الطريق إلى الله سالكة بسهولة د.حسان ابوعرقوب

كتاب و أراء
37
0

للإنسان غاية في حياته وهدف يريد تحقيقه، فهذا يريد تحصيل ثروة من المال كالبحر لا تنفد، وذاك يريد الحصول على الجاه والمنزلة الرفيعة، وثالث يريد الزواج من جميلة الجميلات، ورابع يريد أعلى الشهادات، وهكذا..ولا شك أن كلّ هذه الغايات مشروعة ما دام السير إليها لا يخالف الشّرع أو القانون أو الأخلاق. لكن ما هو أسمى من ذلك أن تكون غاية الإنسان الوصول إلى الله تعالى، مما يقتضي السيرَ إليه سبحانه.
يظن فريق من الناس أن السير إلى الله في غاية الصعوبة، ويتصورونه حِمْلا ثقيلا على كواهلهم، مما يجعلهم يستبعدونه من حساباتهم، ولا يبذلوا جهدا في سبيله، والأمر ليس كذلك، بل على العكس تمامًا، السير إلى الله تعالى أمر يسير وسهْل لمن أراده وعقدَ العزم عليه، ولكن كيف يكون؟ الجواب: هناك جانب خاص وآخر عام، أما الخاص فهو أن يحافظ الإنسان على الأوامر، وأن يتجنب المنهيات، وكلاهما قليل محصور، أما الأوامر فكالصلاة المفروضة، والصيام، والزكاة، والحج، وكلها أمور مبنية على العلاقة الخاصة بين العبد وربه، يتقرب الإنسان من خلالها لله تعالى، ويشعر في نفس الوقت من قرب الله منه. وإذا أضيف إليها دوام الذكر لله تعالى، من تسبيح وتحميد وتهليل وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، سيشعر العبد بمزيد قرب من الله؛ لأن مَن أكثر من ذكر شيء أحبّه، ومن أحبّ شيئا أكثر من ذكره. وإذا تأملنا قول الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحرّكت بي شفتاه) لا أظنّ أن العبد سيتمكن من التوقف عن ذكر الله، حيث سيظل ذاكرا لله ليكون في معية مولاه، وليكون عنده مذكورًا، ولك أن تتخيل عبدا يذكره سيده، كم ستكون سعادته وفرحه. أما المنهيات، فكشرب الخمر، أو الزنا ، أو أكل الربا، أو السرقة، أو القتل، وغيرها مما هو معلوم للجميع.
أما الجانب العام، فيتعلق بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، حيث يعتبر التمسك بالأخلاق الحميدة في معاملة الآخرين جزءًا من السير إلى الله تعالى؛ لأن السبب الداعي للتمسك بهذه الأخلاق، هو الامتثال لأوامر الله تعالى، محبة له وتقربا إليه. وهذا من عظمة الدّين، حيث جعل الإحسان إلى الخلق جميعًا من ضمن الطريق الموصلة للخالق سبحانه. فالأخلاق الحميدة من صدق ووفاء وبر للوالدين وصلة للرحم وحسن الجوار وكفّ الأذى عن الناس، وإتقان العمل، من أهم معالم طريق الوصول إلى الله تعالى.
وبناءً على ما تقدم يُعلم أنّ طريق السير إلى الله لا يعني اعتزال الدنيا، والتشديد على النفس أو الأهل أو الأولاد، بل يعني محبة الله ومحبة الناس، نحب الله فنحب خلقَه ونحسن إليهم، ونبني حضارة قوامها الرحمة والاحترام والإحسان والإتقان.
لكن ما يُبعد الإنسان عن هذه الطريق المباركة اتّباعه لهواه، محاولا أن يعتق نفسه من عبوديته لله تعالى، التي تتلخص بالامتثال له، فيتبع هوى نفسه وشهواته وغرائزه، ليشعر نفسه بالمتعة الزائلة التي يظنها أهم شيء في الكون، مع أنه لو ذاق ساعة حلاوة القرب من الله لعضّ أصابعه ندمًا عن كلّ ثانية غفل فيها عن مولاه.
لو ذاق أحدنا جمال طعم السجود لما رفع رأسه منه، وسيظلّ هذا الرأس مرفوعا أمام الخلق جميعا، ولا يعرف الانحناء. ولو ذقنا حلاوة الدعاء لما نزلت أكفنا، بل لظلت مرتفعة تسأل وتتوسل لله العلي القدير، ولن نمدّها لغير الإله سبحانه. فالعبودية لله حرية عن كل ما سواه.