التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز مناورة غير محسوبة العواقب؟

كتاب و أراء
22
0

عمر الردّاد

حمل الرئيس الإيراني حسن روحاني في زيارته الحالية إلى النمسا وسويسرا ،والمخصصة لإطلاق مباحثات مع الدول الأوروبية،بهدف إنقاذ الاتفاق النووي الذي أعلنت الولايات المتحدة الانسحاب منه في أيار الماضي، التهديد بملفين يمكن لإيران في حال فشلها بتغيير الموقف الأوروبي تجاه الاتفاق النووي العمل عليهما ،بما يؤثر على الأمن والسلام في المنطقة والعالم وهما ،الأول: رفع نسب تخصيب اليورانيوم في المفاعلات النووية الإيرانية إلى (20%)،وفض الشراكة مع وكالة الطاقة الدولية باتجاه إلغاء الاتفاق الحالي معها بخصوص آليات التفتيش والمتابعة ،وهو ما تخشاه أوروبا وأمريكا ومعهما إسرائيل ،اذ يعني الاقتراب من إنتاج السلاح النووي ،والثاني: إغلاق مضيق هرمز أمام تصدير النفط من المنطقة بما يؤثر على إمدادات النفط من مضيق هرمز ،والتي تشكل ما يقارب ثلث النفط العالمي، وبالتالي التاثير على اقتصاديات أوروبا وأمريكا.

تهديدات الرئيس الإيراني روحاني، ربما شكلت مفاجأة لأوساط كثيرة، وطرحت تساؤلات حول جديتها وإمكانية تنفيذها،خاصة  وإنها جاءت في إطار زيارة تستهدف إقناع الأوربيين باتخاذ مواقف لإعادة الحوار مع الإدارة الأمريكية للتمسك بالاتفاق النووي الذي انجزعام 2015 مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق “اوباما”،في ظل شكوك عميقة لدى أوساط إيرانية ،وخاصة التيار المتشدد بقيادة المرشد الأعلى “خامنئي” والحرس الثوري بإمكانية اتخاذ أوروبا مواقف تتعاكس مع الموقف الأمريكي ،تصب في مصلحة إيران، خاصة وان شركات أوروبية تعمل في مجالات الطاقة “توتال” والملاحة البحرية”ميرسك” أعلنت انسحابها من إيران بعد تهديدات أمريكية بفرض عقوبات عليها ،فيما أعلنت شركات أخرى نيتها إلغاء العقود المبدئية التي أبرمتها مع إيران،في مجالات الطيران والمواصلات وإعادة تأهيل البني التحتية،وزادت قرارات الرئيس ترامب مؤخرا بفرض عقوبات على الدول التي تستورد النفط الإيراني الطين بلة،اذ يستهدف القرار الأمريكي الوصول الى وقف الصادرات النفطية الإيرانية ( حولي ثلاثة ملايين برميل يوميا ) بشكل كامل، دون التأثير على أسعار النفط العالمية ،في ظل تعهدات سعودية بتغطية حصة إيران في السوق العالمية.

الرئيس الإيراني بإعلانه رفع تخصيب اليورانيوم، وتهديد الملاحة عبر مضيق هرمز ،أراد ان يرسل رسالتين للداخل الإيراني والخارج، رسالة الداخل الإيراني تستهدف إظهار تماسك ووحدة القيادة الإيرانية بين الاصلاحين والمتشددين تجاه  الاستهداف الأمريكي المتصاعد،رغم اتهامات الحرس الثوري والمتشددين بان الاتفاق النووي مع إدارة اوباما كان خطا يتحمل الاصلاحيون والرئيس روحاني مسؤولية تبعاته وفشل رهاناتهم عليه ،وبالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية الإيرانية على خلفية الأزمات الاقتصادية متعددة المظاهر بعد موجات غلاء الأسعار وانخفاض قيمة العملة الوطنية “الريال” أمام الدولار،والتي انطلقت منذ أواخر الماضي ،وتجددت من قبل التجار”البازار”في طهران،وهو ما ينذر باستمرار وتجدد هذه الاحتجاجات، مع بروز مفاعيل أكثر حدة وعمقا لتلك العقوبات،في ظل خيارات ايرانية محدودة للتعامل معها ،الا في اطار اتهام امريكا وقوى تستهدف ايران بالوقوف وراءها.

تهديدات روحاني قوبلت بتأييد واسع في الداخل الإيراني ،عبرت عنه الصحف الإيرانية ،التي تضمنت إشادات بما فيها صحف التيار المتشدد، وتلقفها قادة من الحرس الثوري الإيراني بالإعلان عن جاهزية الحرس الثوري وقدرته على تنفذ تهديدات روحاني،في ظل نشوة بارتفاع طفيف على أسعار النفط العالمية بعد إطلاق التهديدات ،لكنه سرعان ما عاد للانخفاض، في ظل تحذيرات الرئيس الأمريكي ل “أوبك” من ارتفاع أسعار البنزين في أمريكا.

أما بخصوص رسالة روحاني للخارج من وراء التهديدات، فتهدف للضغط على الاوربيين ،للعمل على احتواء قرارات ترامب ،وإلا فان البديل إيران موحدة وقادرة على الإضرار بمصالحكم وخاصة أسعار النفط ،غيران الأهم خارجيا أنها رسالة لأمريكا باتجاهين الأول :أن إيران لديها خيارات لمواجهة القرارات الأمريكية وتستطيع ان “تشوش” على أسعار النفط العالمية بإجراءات تصعيديه في مضيق هرمز، وبما ينعكس على الاقتصاد والناخب الأمريكي ، والثاني: دعوة لأمريكا للتفاوض على القضايا الخلافية بين الجانبين ،بما فيها دور إيران في المنطقة وملفها النووي وما يتصل بأسلحتها الصاروخية.

رد الفعل الأمريكي جاء هادئا من خلال وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ،مؤكدا ان أمريكا قادرة على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز،ويبدو أن أمريكا تدرك بحكم موازين القوى العسكرية في المنطقة وتواجد قواعدها وقطعها البحرية المنتشرة في المنطقة ان إيران غير قادرة على تنفيذ تهديداتها ،وان مثل هذه التهديدات تكررت على مدى السنوات الماضية ،منذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، وحينما كانت إيران بلا انتفاضة داخلية تهدد نظامها ،وبلا عقوبات اقتصادية صارمة كما هي اليوم.

 ومن المؤكد أن أمريكا ستعمل على استثمار هذه التصريحات بما يؤكد ان النظام الإيراني يشكل تهديدا للسلم الدولي والملاحة البحرية وفق القوانين الدولية، وستكون تلك التهديدات مبررا لدول الخليج والسعودية لتوثيق العلاقة مع أمريكا،وطلب مساعدتها وهو ما يعني أن تلك التهديدات جاءت بنتائج عكسية ليست بمصلحة إيران

وفي الخلاصة ،فان إيران قد تبدو قادرة بالفعل على “التشويش” على الملاحة البحرية في الخليج دون اعاقتها، لكنها غير قادرة على تحمل تبعات ذلك من رد الفعل الأمريكي،فالإدارة الأمريكية الحالية إدارة مختلفة عن الإدارة السابقة ،ولديها من الدوافع والقناعات ما يكفي للتصعيد ضد إيران،الا إذا كانت القيادة الإيرانية تخطط لاستدراج أمريكا للقيام بعمل عسكري ضدها،تعتقد انه خيارها لاستعجال التفاوض!

كاتب وباحث بالأمن الاستراتيجي.