إميل أمين يكتب: العزف على أوتار الأصوليات لا يفيد

كتاب و أراء
14
0

 واحدة من أكبر وأعقد المشاكل التي تواجه عالمنا المعاصر، هي تلك المتصلة بالأصوليات المتطرفة التي نمت خلال القرن العشرين بصورة غير متوقعة، وقد حصدت في طريقها الآلاف، ولم يتوقف أثرها الضار على بقعة أو رقعة بعينها حول الكرة الأرضية فقد امتدت من أدنى الأرض الى أقصاها، ومن الشمال الى اليمين، لم توفر عربًا أو عجمًا، وضربت ضرباتها في كافة المجتمعات الدينية سواء التوحيدية منها، أو لدى أصحاب النواميس الوضعية.

والشاهد انه خلال العقدين المنصرمين عرف العالم تنظيمين كبيرين تسببا في بالغ الضرر ومن أسف تم احتسابهما على العالم الإسلامي، وإضافة فاتورة أكلافهما السيئة خصما من الحضارة العربية والإسلامية، الى الدرجة التي أضحى معها المسلم في الغرب إرهابيًا بالضروة، وفي أفضل الأحوال هو مشروع إرهابي.

على أنه من الازدواجية العالمية، أن نرى الدول التي تصرخ بأعلى أصواتها مطالبة بمحاربة الإرهاب في العلن، ربما كانت هي في السر من شجع عليه، وعندما نتحدث عن الإرهاب فلا يكفي الحديث الوقوف أمام ما جرى في الشرق الأوسط والعالم العربي من تطرف إسلاموي ولا نقول إسلاميًا، فالإسلام السمح المعتدل القابل للآخر القائم على رؤى قرآنية تقر بالتعددية وبتعارف الشعوب وبدفع الله الناس، يختلف جذريا عن إسلام أسامة بن لادن أو أبوبكر الناجي، حيث إدارة التوحش في داعش هي الأصل في التعامل مع المسلمين قبل غيرهم من أتباع الأديان الأخرى.

حين نشير الى تلك الأصوليات فإننا نتناول الحديث عن قوى يمينية متطرفة بدورها، وجدت مناخات أيديولوجية بل ودوجمائية ضاربة جذورها في العمق الغربي، سواء كان هذا العمق أوروبيا  أو أمريكيا، الأمر الذي أنتج لنا عقولًا إرهابية شغلت أماكن قيادية حول العالم، وأدت رؤاها وخططها الى شيوع وذيوع الإرهاب في أسوأ صوره.

هل نحن في حاجة الى التدليل على  صحة العبارات السابقة..؟

ربما يلزمنا الأمر العودة مع الكاتب الكندي “ايان جونسون” وكتابه الشهير “مسجد في ميونيخ” فعبر صفحاته نكتشف واحدة من أخطر القصص التي تم التلاعب فيها بالإسلاميين خلال الحرب العالمية الثانية، فقد كان مسجد ميونيخ هذا أداة من أدوات النظام النازي لاجتذاب العديد من المسلمين، لا سيما الأتراك المتواجدين بكثرة في المانيا في تلك الفترة، ليكونوا خناجر في الخاصرة الروسية، وقد كان الصراع وقتها محتدما بين السوفيت والألمان ومن هنا تم تسخير الدين ليكون منطلقا لأصولية إسلاموية قاتلة، تحركها رغبات “الفوهرر” وشهوات قلبه، وبعيدا عن أي صالح أو مصالح للإسلام والمسلمين.

المدهش الى حد العجب أن هناك من سبق الألمان في هذا السياق الاستغلالي للرؤى والأفكار الدينية، وهناك من عزف على أوتار إحياء النعرات الدينية والإيمانية المكذوبة لصالح خدمة الاستراتيجيات الأممية الكبرى، ومن أسف فقد كان الشرق الأوسط أيضا هو الموقع والموضع في هذا الإطار .. ما الذي جرى على وجه الدقة؟

كان ذلك في أواخر العقد الثالث من القرن العشرين، حين عزفت سلطات الاحتلال البريطانية في مصر على أوتار الداعية الشاب حسن البنا، وقد قدمت له من خلال شركة قناة السويس في الإسماعيلية مبلغ خمسمائة جنيه، ليؤسس من خلالها مسجدا يجمع فيه الشباب المصري، لا سيما النوعية رقيقة الحال فكريا وثقافيا، دينيا وعقائديا، تلك الفئة التي تعد دوما وأبدا لقمة سائغة لأي صاحب فكر مهما كان نوعه، وعادة ما يكون مخترقا ليحقق أهداف صاحب رأس المال انطلاقا من أن :”الذي يدفع للزمار هو عادة من يحدد اللحن”.

في تلك الأوقات وفي الاسماعيلية تحديدا ولدت جماعة الإخوان المسلمين، والتي يجمع القاصي والداني على أنها الحاضنة الأكبر والأخطر التي خرجت من معينها كافة الجماعات الأصولية بل والإرهابية، وما كانت انجلترا لتقدم الدعم المالي للبنا الا لكي تؤسس جماعة سياسية في غطاء ديني بحيث يمكن أن تكون بديلا عن تيار القومية العربية الناشئ في تلك الآونة مطالبا بطرد العثمانيين من العالم العربي من جهة، ومن جهة ثانية الخلاص من المحتل الغربي، ذلك الأجنبي سواء ارتدى قبعة بريطانية أو فرنسية، برتغالية أو بلجيكية، فالجميع محتل ومستعمر في نفس الوقت.

حين انتهت الحرب العالمية الثانية خسرت بريطانيا التي كانت عظمى مكانتها بين الأمم، وكدأب التاريخ كان ولابد أن يولد من رحم التاريخ قوى محركة جديدة، تقود مسيرة التدافع والحراك الإنسانيين، وكما كان متوقعا انقسم العالم الى قسمين: الأمريكيون ومعهم الأوربيون، والروس ومعهم الشطر الأكبر من أوروبا الشرقية، فيما عرف تاليا باسم الكتلتين الكبريين “الأطلسي”، في مقابل “وارسو “.

لم تكن المعركة فقط عسكرية أو اقتصادية بل كانت في جزء غالب منها معركة فكرية، ذات نسق أيديولوجي مثير للتأمل استخدمت فيه كافة الأوراق بما فيها الأديان واتباعها، والعقائد ومريدوها، ورجالات الدين وما تملكه أرواحهم من

نفوذ على ملايين البشر.

أجاد الجانب الأمريكي العزف على أوتار الراديكاليات، وبما أن واشنطن هي الخلف لـ “لندن ” السلف، كان من الطبيعي إذن أن ترث أمريكا التعاطي مع جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يبينه لنا باقتدار “الكاتب الأمريكي”روبرت دريفوس ” في عمله الرائد”لعبة الشيطان” وفيه يوضح كيف استقبل الرئيس الأمريكي “دوايت أيزنهاور” الشاب المصري “سعيد رمضان” صهر حسن البنا، للتخطيط من أجل استخدام التيار الأصولي الاسلامي في شرق آسيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط لوقف الزحف الشيوعي.

لم يكن أيزنهاور صاحب الخطة الأصلية بل الأخوان “دالاس” جون فوستر و آلان فوستر، الأول وزير خارجية أمريكا الذي قدم ما يمكن أن نطلق عليه لاهوت الاحتواء، والثاني الرجل الذي وضع الخطط الاستخباراتية لتنفيذ خطة شقيقه، وكلاهما كانا أبناء قس يتبع المنهج الأصولي اليميني الذي أذكى القرن العشرين وقرننا الحالي بتيار مسيحي أصولي كارثي لا يقل أثره عن القاعدة وداعش.

جرت وقائع اللقاء الذي يحدثنا عنه فوستر العام 1954 ومنذ ذلك الوقت والتنسيق ماض قدما بين الدوائر الأمريكية، وبين الجماعات الأصولية، وقد كان الاحتلال السوفيتي لأفغانستان مدخلا متميزا وهدية على طبق من ذهب للتيار الأصولي الاسلاموي.

لماذا الآن إعادة فتح هذا الملف؟

باختصار غير مخل: من أجل محاولة استشراف ما بعد داعش التي ولدت من رحم القاعدة، وهل انتهى زمن داعش بالفعل أم أن العازفين على أوتار الأصوليات لا يزالوا قابضين على آلات الموت والعالم من ورائهم في انتظار علم من كتاب لجماعة إرهابية أصولية قادمة قد تكون أشد هولا من داعش والقاعدة معا؟